In my way

حين أكتب النص أكتبه دفعة واحدة ولا أحذف منه أي شيء مهم وهذا الأمر أساسي في نظرتي للشعر نفسه، لأن التلقائية التي تصاحب السياق الشعري الأول جوهرية في تكوين النص الذي أكتبه وأشعر أنه في ما بعد لا يحق لي أن أتدخل كثيراً في تأديب النص، لأني أعتبر أن الكتابة تعبير عن تجربة عيش أكثر منها تمريناً لغوياً.

■ ■ ■

لا أعرف كيف أصنف النصوص التي أكتبها والتي تتراوح بين النثر الخالص (نثر النثر) وما يطلق عليه عادة صفة الشعر. كل ما أستطيع قوله أنني أكتب النص انطلاقاً من حاجة داخلية للقول وهذه الحاجة الداخلية هي التي تخلق إيقاعه، إذا كان له إيقاع، وترتيبه على الورق.
■ ■ ■

في كل ما أفعله أحاول ألّا أتعمد شيئاً، فقط أستأنس باللحظات، وأحاول أن أقترب قدر الإمكان من النبض الجواني الداخلي للأشياء والوقائع البسيطة المحيطة بعيشنا التي ترافقه وتصنع سياقه ومعناه. لا أسعى وراء العادي لأن حياتي عادية، ولا يتخللها تقريباً أي شيء لإطلاق مشروع ما، أو لتغيير ما، أو لرفض ما. كل ما هنالك أنني لحظة الكتابة أحاول أن أصغي جيداً لما يكمن وراء المظهر الرتيب، وعندما تصغي تتعلم أمراً أكيداً هو مقدار البلاغة الذي ينطوي عليه الصمت. كل ما أكتبه أعتقد أنه محاولة لإصغاء من هذا النوع، ثم استكشاف لا ما تقوله اللغة بل ما تضمره، أو لا تقوله، لذلك أحسب أنني خلال عشرين عاماً أو خمسة وعشرين عاماً ما زلت أكتب الشيء نفسه، ولا أحسبني استنفدته كله. عالمي في هذا الحجم، وما أريده فعلاً أن أستكشفه فيه ليس الاتساع بل العمق، حتى لو راوحت في متر مربع.
■ ■ ■

علاقتنا بما نبنيه في حياتنا أو نهدمه، علاقتنا بأولادنا، بعملنا، بقراءاتنا كلها، هذه أسئلة ملازمة لوجودنا اليومي وليس علينا أن نسعى وراءها في سعي استشرافي أو تنبئي أو رسولي. هذه الأسئلة تصدمنا كل يوم، تبقى طريقتنا في التعبير عنها، أي أن نتمكن من جعل الأجوبة كوى أو نوافذ على أسئلة جديدة، إضافة إلى أننا جميعاً مصنوعون من ثقافة شخصية، الثقافة بمعناها الأوسع جداً من القراءة والكتابة. الثقافة التي تشمل العيش بتفاصيله كلها، ولا بد من أن تظهر هذه المكونات الثقافية الشخصية في كل تعبير، لذلك قد أزعم أنني أكون أنا فعلاً عندما أكتب.
■ ■ ■

يقول كاتب فرنسي أحبه كثيراً إنه كتب مؤلفاته التي تربو على المئتين بعدة لغوية لا تتجاوز الثلاثمئة كلمة. وقبيل وفاته، عمد دارسون جامعيون إلى وضع قاموس خاص به، وتوصلوا خلال عامين من البحث في كتبه من وضع هذا القاموس الذي يتضمن 15 ألف مدخل لغوي جديد. هذا يعني أن مباشرة العالم تكون بالحواس وبالقليل القليل المتوافر من أدوات التعبير. في كتابي الأخير «كتاب الرمل»، أفردت في نهايته في نوع من اللعب المقصود معجماً لمفرداتي التي تتردد في كل أعمالي لأكتشف أنها لا تزيد عن 12 مفردة.
«استراحة» لإدوارد هوبر (زيت على كانفاس ــ 101.6×152.4 سنتم ــ 1963)

أعتقد أن 12 مفردة كافية لتسمية العالم وأشيائه. في مقترب أولي، وبعد ذلك في إمكان هذه المفردات أن تتوالد إلى ما لا نهاية. يجب أن نتذكر دائماً أننا أبناء ثقافة قامت وتقوم على الاشتقاق، على التوليد الذي ينجب حتى شقاقاً، هذا الشقاق هو العصب الفعلي لعلاقة الكاتب سواء أكان شاعراً أو ناثراً بالكتاب. فحين أكتب لا أكون أنا كلياً ولا أكون الآخر كلياً، نكون أنا والآخر مشتركين في حالة واحدة للتعبير. المعجم الضيق يتسع لما هو أكبر مني بكثير لأنّ المفردة في اللغة تتضمن على الأرجح عالماً قائماً بذاته، وليس علينا إلا أن نقصده باحثين، لكي نكتشف ما يختزنه من المعاني.
■ ■ ■

أراني الآن غير قادر على فهم التعبير إلا بصفته تعبيراً نثرياً محضاً، وأحسب أن هذا المفترق قد يكون خطراً وقد يليه صمت لعجزي عن الكتابة بطريقة أخرى، لكنه في الوقت نفسه درب جديد لأحاول أن أكتشفه بصرف النظر عن قبول الآخرين أو رفضهم، إنني أبحث عن شكل نثري خالص وقد يكون سردياً لقول ما اتضح لي أنني لم أوفق في قوله بعد، وقد يكون هذا الشكل هو الصمت. الصمت المطبق.
■ ■ ■

بالنسبة إلي «لسان العرب» لابن منظور أو «القاموس المحيط» للفيروز أبادي يشتملان على متعة سردية قد توازي أو ربما تتجاوز حكايات «ألف ليلة وليلة» لأنّ اقتفاء أثر الكلمات واشتقاقها هو في حد ذاته تتبع لسرد تاريخي اجتماعي لغوي قد يفوق أي رواية أو أي قصة تشويقاً.
■ ■ ■

أنا لا أكتب إلا وفي ذهني شخص ما يحثني على الكتابة أو شخص ما يدفعني إلى المخاطرة في التعبير له عن أحاسيس. لا أستطيع أن أكتب أحاسيس مجردة. حين أكون في حال عزلة، وهذا إحساس عميق، أكتب عن العزلة، وحين أكون عاشقاً ولا أراني لحظة في حياتي غير عاشق أكتب عن هذا العاشق، لشخص ما محدد وليس في المطلق. عندما أختبر تجربة الموت، فهناك دائماً شخص يموت ويدفعني إلى الكتابة. هناك أسرتي، أولادي، المرأة التي أحب، هناك أيضاً ثلاث تجارب للموت العنيف أمامي. لا أكذب عليك، فأنا ما زلت إلى اليوم تحت صدمة فقداني شقيقتي وهي في عز شبابها والتي توفيت أمام ناظري، وتجربة وفاة والدي التي دفعتني إلى اكتشاف من كان هذا الشخص الذي رافقني خمسة وثلاثين عاماً أو ثمانية وثلاثين عاماً من دون أن أعرفه، وهناك أيضاً تجربة موتي الشخصي بمعنى أني من جراء حادثة توفيت سريرياً لمدة ثوان ثم أنعشت وعدت إلى الحياة. هذه التجارب كان لا بد من أن أكتبها لأنها أصبحت المناخ الذي يمازج حياتي اليومية وعلاقتي بالآخرين والكتابة. أقول كل هذا لأقول ببساطة إنني لا أنطلق من أفكار بل من أحاسيس أحاول استكشافها لكي أفهمها أنا أولاً.
■ ■ ■

أحاول أن ألتقط ما يحجبه القول الشعري بين السطور أو أحاول أن أصوغ شعراً ما تضمنه النص النثري ولم يستطع قوله كله لأكتشف في الحالتين أنني أسعى وراء ما لا يقال فعلاً، وكانت النتيجة أن النص النثري كتب على هوامش القصيدة في الوقت الذي كانت فيه القصيدة تكتب على هوامش النص النثري.
■ ■ ■

الكتابة ليست سعياً وراء التفاصيل بل سعي وراء الفروق، سعي وراء ما يزول، وراء الهش، وراء ما هو ماثل أمامك، حقيقي أو ملموس، لكنك تعلم جيداً أنه لن يتريث طويلاً، إذ سرعان ما يتلاشى، ما يجعل عالمك ماثلاً على العتبة بين الوجود الحسي والملموس وبين التلاشي التام، أنا لا أجد موقفاً للحيرة على حد قول النفري أكثر من تعاطي الكاتب مع ما يبدو ملموساً، لكن كيانه ينسرب على الدوام باتجاه الغياب.

* المقاطع مجتزأة من حوار مع بسام حجار، أجراه الشاعر السوري صالح دياب، ونشر في «السفير»، بتاريخ 27/02/2009، العدد 11232. تشكل هذه المقاطع أساس حرفة الكتابة عند بسام حجار وجوهَرَ شعريته التي لا يمكن إلا أن تكون شذرية وموازية لكتابته، كما عند كل شاعر حقيقي.

فهْم ما لا يقال
منْ عناصر الافتراق بين منحيين لقراءة القصيدة ما يتّصل مباشرة بتعريف الشّعر وحده. وإذ تفترق القراءات وتسلك شعاب التأوّل فهي بذلك إنّما تؤكّد على أولويّة الاختلاف لا الاتّفاق. وبيان التّعريف المشكل زعم العرب أنّ الشّعر هو فعل وقول. أو هو التّعبير بالقول. وعندئذ تنقسم جمهرة المساجلين بين «لماذا لا تقول ما يفهم؟»، على غرار ما تبتدعه مصنّفات تدريس الأدب في مراحل التّعليم الثّانويّ، وما شاكلها من مراحل التّعليم الجامعيّ. ولمن يحسب أنّ عناصر هذا السّجال النّقديّ قديمة جاوزتها حداثة المحدثين، أن يسْتعيد النّقاش حول «الغموض» أو «الصّعوبة» في «الشّعر الحديث» للتّثبّت من أنّ الردّ المفحم المأثور عن أبي تمّام: «لماذا لا تفهم ما يقال؟»، لا يزال أداة الإفحام لمن يحسب أنّ وظائف القول شعراً تهبط إلى درك الشّبه بوظائفه نثراً. وفي كلتا الحالتين تردّ ماهية الشّعر إلى الإفصاح (نسب الفصاحة) والقراءة إلى «فهم» الْقول. والفارق البسيط، حين تكون الحالة الأولى طلب الإتيان بما يفهم من القول، والحالة الثّانية طلب الفهم لما يؤْتى به من القول. أي جلب لمادّة الكلام ومدركه.
وما يغيب في هذا كلّه حمل الشّعر لا على القول (بوصْفه فعْل قوْل، كما تقول العرب)، بل على الإمساك عنه والهمّ به على الدّوام. وإذا كان لا بدّ من السّؤال، ما دام السّجال أسئلة لا أجوبة، فيصبح على النّحو التّالي: «لم لا تفهم ما لا يقال؟». فلعلّ الجدوى، كلّ الجدوى، في إبراء حدّ الشّعر ممّا يكتنف فعل القول من لغو ورطانة. إذ يصعب إدراك معنى الشّعر حين يستنفذ بحدّ الإفصاح والإبلاغ والإيصال، أي تصريف الكلام على أصل واحد للمعنى، ويكفي أن يؤتى (من الكلام) بما يعبّر عنه، لأنّ الشّعر يصبح بهذا المعنى صنعة. وإذا كان الشّعر يقيم على صنعة الإنشاء بالقول فلكي يشير، بالمضمر، إلى أنّ عصبه ومتنه ومادّته بخلاف ما ينشئه الإنشاء. ذلك أنّ الشّعر هو ما لا يقال في معرض الإفراط في قوله. لأنّ ما لا يقال يبقى، هو وحده، بمنأى عن التّكرار والهذيان. لأنّ التّكْرار تصْريف للْقوْل على أصل واحد. والهذيان إفراط في القول وبذخ بالعييّ من معناه.
ربّما كان الشّعْر حدّ اسْتقْراء الصّمْت فقطْ.

* «مديح الخيانة» ــــ المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء/ بيروت ـــــ 1997، ص.ص. 15-16

لم يكن لهذا الملف أن يكتمل لولا مساعدة السيدة نجلا حمود، أرملة الشاعر التي وضعت في تصرّفنا أرشيفها العائلي