عندما أردتُ أن أخاطبكَ بعد غيابك، أتاني الكلام شعراً أو نوعاً من الشعر، وبدأتُ أكتب لك بمحكيتك المحبّبة إلى قلبك، ربّما اعتقدت أنّك ستسمعني بشكل أفضل، لست أدري.

أمّا وقد قرّرت أن أرثيك نثراً الآن كما كنتَ تفعل مع أصدقائك الراحلين، وقد التحقتَ بهم، فإنني حائر كيف أبدأ...
كيف لجبلٍ أن يهوي! وهل أنت هَوَيت فعلاً أم قرّرت أن تفتّش عن كوكب آخر؟
لماذا كان لديّ شعور دائم أنّك باقٍ ونحن فانون، كأنّك من أساسات هذه الحياة، لا تمشي من دونك ولا تستطيع الدوران إذا لم تكن أنت جالساً على كرسيّك في المقهى لتوجّهها إلى السراط المستقيم!
لماذا تخلّيت عن كونك الثابتَ في المدينة... وذهبت لتُأنْسِن المجرّات وتجمعها حولك على طاولة الزمان...
ماذا أقول فيك بعد كلّ ما قاله الأصدقاء... يا أيّها المفتون كنتَ بالحياة...
لقد وجدتُها...
أنتَ الحياة بذاتها يا أبي!
خليط عجيب من العصور الغابرة الحلوة، بنكهة الحاضر، تماماً كقهوتك التي حوّلتها في شِعْرِك إلى مرّة كأنّك كُنتَ تشير إلى مرارة الحياة وناسها الجالسين مثلك في مقاهيها، إلى مرارتك أنت، والتي نجحتَ على ما يبدو في إخفائها دائماً...
هل كنتَ فعلاً حزيناً يا أبي؟ وأنت صاحب الضحكة المجلجلة والنكتة اللمّاحة والذكاء الحاد، والقلب الأحنّ من الحنان، والشاعر الشاعر...
ماذا سنفعل ببيروت بعد رحيلك؟ أو ماذا ستفعل بيروت فينا؟
نعم، بيروت التي ألّفَتْكَ وألّفْتَها، ماذا عسانا نفعل بها الآن وقد خَسِرَت مواطناً صالحاً آخر...
لقد قلّ الصدق والضحك والاستقامة والشِّعر في المدينة يا أبي، صدّقني لقد لمستُ ذلك بنفسي وأنا أفتّش عنك وعن ذكرياتك وأخبارك في زواياها وأزقتها...
لقد غادرها قبلك وبعدك أحلى الشعراء فباتت يتيمة ومتمرّدة وخارجة عن السيطرة...
دعني أقول لك ماذا وجدت فيها وأنا أبحث عنك، لقد وجدت نفسي واكتشفت بيروتَك من جديد... المدينة التي زرعتها فينا. سأدعها تُؤلّفني وسأحاول أن أشارك في تأليفها لو استطعت، وسأظلّ أسكُن في مقاهيها المتبقّية كعادتي، كعادتنا، وسآخذ معي كريم، كما كنت تأخذني معك، وسأفتح له أبواب الحياة دون أن أُعَلّمه، كما كنت تفعل معي ومع سلاف وحازم أيضاً...

أؤمن بأنّ مفتاح المدينة ما زال على قيد الحياة، أنا واثق أنّك تركته لنا


أؤمن بأنّ مفتاح المدينة ما زال على قيد الحياة، أنا واثق أنّك تركتَه لنا، فأنت لست بحاجة إليه حيث أنت الآن، لأنّه في الروح وفي مكان حميم حميم.
لن أحدّثك عن الشعر يا أبي أو عن أحوال المدينة، ستأتي أيّام أخرى لذلك، الآن: الوقت هو للكلام الكلام، كلام ابنٍ إلى أبيه، الذي لطالما خاف عليه وانشغل بالُه بتتبّع أخباره، لأنه اعتقد أنّه يُشبهه في سخريته وعفويّته وعاطفته، وحرّيته الصارخة الواصل صوتها إلى كواكب قريبة وبعيدة. أب اعتقد أنّ ابنه يسعى مثله، بنبل، وراء شهوات قد تؤذي صاحبها فقط...
من ابنٍ إلى أبيه، اطمئن يا أبا حازم، أمورُك بخير، وأقصد نهاد وسلاف وحازم والأحفاد.
الأهل والأصدقاء أتفقّدهم لك من حين إلى آخر إيضاً. إذاً أمورك بخير، وسأحاول أن أبقيها كذلك قدر المستطاع حتى يوم اللقاء، عندما أصعد إليك بلهفة من لا يطيق الانتظار، تاركاً المفتاح ذاته في الحفظ والصّون ... وصدّقني يا أبي، عندما نلتقي، ستجدني مُحَمّلاً بالكثير من الأخبار التي ستحبّ أن تسمعها، لتضحك بعدها كعادتك برضى أنصع من البياض...
أخبار صنعها رجل استثنائيّ ومشى، وهو كان يعلم ربما، أنه لم يرحل...

* نصّ كتبه ابن الشاعر عصام العبد الله (10 شباط 1941 ـــــ 19 كانون الأول 2017) في ذكرى رحيله الثانية التي تصادف اليوم