إلى روح روزا لوكسمبورغ (5 مارس 1871 ــــ 15 يناير 1919) في الذكرى المئويّة لاغتيالها، لما تُمثله أيقونيّتها وأفكارها من مرجعيّة تاريخيّة مُشرقة للعديد من القضايا المهمة والمهملة اليوم.



لم يكن قد مضى سوى شهرين على خروجها من السجن إبان «ثورة نوفمبر» (1918) الألمانية، حتى طاولتها أيادي الغدر اليمينيّة المتشددة من نازيّي ما قبل صعود هتلر (وإنّ لم تقتل في اغتيال حينها، لكانت مستهدفة لاحقاً بواسطة «قانون القتل الرحيم» بسبب إعاقتها) في اليوم نفسه الذي اغتيل فيه أيضاً رفيقها كارل ليبكنخت. ألقت الحادثتان آثاراً بالغة على صحة فرانز ميهرينغ (صديق ماركس وكاتب سيرته) الذي توفي بعد أسبوعين من الحادثة. وفي آذار (مارس) 1919، اغتيل أيضاً رفيقها (وخدينها السابق) ليو جوغيهيس. أمور عنت معاً خسارة أربعة قادة أفذاذ من العُصبة السبارتاكوسيّة في ظرف وجيز (ولسبارتكوس مكانة كبيرة في قلبي عزّزها شعر أمل دنقل، ومقاومة «التحيز الطاغي الذي كتب به التاريخ ضد العنف الثوري» بحسب بارينغتون مور، بقدر ما ألهمني مروره من ليبيا عندما كان عاملاً مُستعبداً في المناجم قبل قيامه بثورته الخالدة ضد الإمبراطوريّة الرومانيّة).
تعتبر «جدة الاشتراكيّة الألمانية» مُنظرة وأيقونة نسويّة، بالمعنى الثوري للكلمة قبل أن تشوبها تنميطات وتوظيفات في زمننا الحالي تكاد تفرغها من مضمونها. تنبأت في وقت مبكر بضيق مصالح أغلب نساء البورجوزايّة؛ والأدق أنها حذّرت وتخوّفت من توقف أغلبهن بعد تحقيق مكاسب ومصالح ضيقة، مثل «حق التصويت» مطلع القرن الماضي، وهو ما يعادله اليوم اختزال قضايا المرأة السعوديّة بحق قيادة السيارة. وإن كانت الجوانب النظريّة عندها ليست كبيرة في الشأن النسوي (لاحقاً رفضت حنة أرندت تحت تأثير لوكسمبورغ أن يقتصر الحراك النسوي فقط على النساء ومطالبهن) وحقوق المرأة حصراً، فهذا لأنّ دعواها ومطالبها تعدّت ذلك، بشكل عملي، إلى حقوق إنسانيّة شاملة (اقتصادياً وثقافياً واجتماعياً وسياسياً). ممارساتها العمليّة (يصف توني كليف شعارها في الحياة بمقولة «في البدء كان الفعل» المستوحاة من فلسفة «فاوست» في مسرحيّة غوته الذي قرأت أعماله في السجن)، وثروتها المعرفيّة وبراعة أسلوبها وبيّنة تحليلاتها واستقلالها الفكري وما عُرف عنها بمخاطبة العقل بدلاً من العاطفة، جعلت ميهرينغ يصفها بـ«أفضل عقل» من بين الورثة العلميين (بمن فيهم هو نفسه) لما بعد ماركس.
ومع محافظتها على أصالتها الماركسيّة، ظلّت بعض الملامح اللاسلطويّة (وهي المولودة في الشهر نفسه الذي اندلعت فيه ثورة «كومونة باريس» في آذار/ مارس 1871) واضحة في أفكارها، رغم نقدها اللاذع لبعض التنظيمات اللاسلطويّة، تجسدت في تشديدها على أن تكون «الثورة من أسفل»، وتحريضها وتنظيرها على أهمية «الإضراب العام» ــــ أو ما تسميه بـ«حركة الجماهير العفويّة» ــــ الذي يُعجب المرء اليوم بتطوّره (والأهم استمراره) بشكل معاصر في الانتفاضة السودانيّة ضد السلطة العسكريّة ــــ الدينيّة الحاكمة. والأكثر من ذلك، تشديدها على العلاقة المركزية بين الديموقراطيّة والاشتراكيّة (لماذا يُمدح التشارك في السياسة ويذمّ في الاقتصاد اليوم؟).

deviantart .com

لم تنحصر معاناتها بحياتها فقط من نفي واعتقالات (آخرها كان بسبب موقفها المتفرد الرافض للحرب العالمية الأولى باعتبارها لا تخدم مصالح الطبقات الكادحة وتمثل استغلالاً لهم في حروب طاحنة تبعدهم عن هدفهم) وما صاحبها من سوء تغذية، ثم اغتيالها والتنكيل بها، من خلال تهشيم جمجمتها ورمي جثتها (مقطوعة الرأس واليدين والقدمين) في قناة لاندفير في برلين (وصف المخرج الألماني كلاوس جيتنجر الحادثة بأنّها عنت «غرق جمهورية فايمار معها»، في كتابه الذي تُرجم أخيراً إلى الإنكليزيّة تحت عنوان The Murder of Rosa Luxemburg)... بل تعدتها إلى مماتها. يومها، أدينت من قبل ستالين بتهمة «التروتسكيّة» (1931)، وتم تخريب وتوسيخ قبرها المفترض من قبل النازيين (1935)، إلى جانب سوء تفسير بعض آرائها، كما فعل ــــ على سبيل المثال لا الحصر ــــ عزمي بشارة عندما قال إنّه «لا مبرر لتلك المقابلة بين مفهومي الإصلاح والثورة كأنهما متناقضان»، في إشارة إلى مُؤلَّفها الفذّ «إصلاح اجتماعي أمْ ثورة؟» (راجع: «في الثورة والقابلية للثورة». ص 32-33). والحقيقة أنّ المقابلة بينهما (كما هي واضحة في أول أسطُر المقدمة) كانت الغاية من الإصلاح (معترضة على قول ادوارد برنشتاين بأنّ الهدف النهائي لا يعني شيئاً و«الحركة هي كل شيء») وليس في كونه وسيلة؛ «فالنضال من أجل الإصلاحات وسيلة الاشتراكيّة الديموقراطيّة والثورة الاجتماعيّة غايتها». واعتراضها فيه تنبّؤ ثانٍ بأن يصبح الإصلاحيون جزءاً من النظام القائم عوضاً عن تغييره. وهو ما حدث فعلاً ولا يزال يحدث. وإن كان الأدق أن نسميه «توقّعاً» بدلاً من «تنبؤ»؛ لنضيف توقّعاً ثالثاً عندما استندت إلى شروط عدة، في وقت مبكر جداً، ستحوّل «ديكتاتوريّة البروليتاريا» إلى ديكتاتوريّة الرجل الواحد (ستالين). أما المعاناة المستمرة، وإن كانت شكليّة جداً مقارنة بنتاجها الفكري، فهي لغز جثتها الذي لا يزال قائماً إلى يومنا هذا.
اليوم، هناك صندوق (مؤسسة) باسمها، ينشط في الأراضي الفلسطينية المحتلّة، ويقوم بالتطبيع مع الكيان الغاصب. الأمر أشبه بتقديم روزا، التي اغتيلت على أيدي نواة النازيّة نفسها (وصف إسحاق دويتشر الأمر بأنّه أول الانتصارات ــــ نحو الدولة ــــ النازيّة)، كقربان من أجل ترميم العلاقات الألمانية ــــ الإسرائيلية بعد الهولوكوست، وفق ما يبدو واضحاً في بيانات الصندوق. ولا نعتقد بأن لزاماً علينا في كل مرة، إدانة واستفظاع المحرقة وهي من البديهيات. بل ما ينبغي أن يكون أكثر بديهيّة الآن، هو أن نستفظع أن يكون الهولوكوست حجّة للاحتلال والإرهاب (كما الحال في الإرهاب الذي يصوّغ باسم «مكافحة الإرهاب»)، وأن لا نسلم بدعاية لا تقبل التشكيك حتى في أعداد ضحايا محرقة حدثت قبل ثمانية عقود، وفي الوقت نفسه، ترفض (هذه الدعاية التي أصبح لها صدى في وسائل إعلام عربيّة) كل مناهضة (مهما كانت ناعمة) للاحتلال والقتل والتنكيل اليومي، فترميك فوراً بـ«معاداة الساميّة» (وهذا ليس تقليداً عند «عتاة اليمين» فحسْب داخل الكيان الغاصب، بل هي وجهة نظر «روائي الحبّ والسلام» عاموس عوز أيضاً).
حذرت وتخوّفت في وقت مبكر من ضيق مصالح أغلب نساء البرجوازية


ويتمظهر التحايل التاريخي الذي يقوم به الصهاينة (اليهود والعرب) اليوم، في توظيف وتحويل ضحايا اليهود تاريخياً (وبخاصّة الهولوكوست) إلى مبرر يعطي «حقاً أبدياً» للإرهاب الإسرائيلي، أو بمعنى أدق تصوير الجلاد على أنه لا يزال ضحية، وفي هذا تحايل أكثر خطورة على مفهوم «رد الفعل الثوري» أو ما يعرف بـ«العنف الثوري»، غير عابئين بالضحايا الآخرين في الهولوكوست الفلسطيني. ولم يعد الأمر يقتصر على رمي تهمة «معاداة السامية» في وجه كل من هو غير يهودي يقول حرفاً واحداً في نقد الاحتلال، بل إن كان يهودياً فهو «يهودي كاره لنفسه». روزا لم تكن كذلك، ولم تكن صهيونيّة أو حتى يهودية معتدلة. بل أممية إنسانيّة. هي التي كتبت في إحدى رسائلها إلى ماتيلدا ورم من داخل زنزانتها: «قبل أي شيء، على المرء أن يعيش في كل الأوقات كإنسان كامل (...) قراءة الكتب الجيدة فقط وليس الـ Kitsch مثل «رواية سبينوزا» (من تأليف بيرتولد أورباخ) التي أرسلتِها إليّ. ماذا تريدين من هذه المعاناة الخاصة باليهود؟ إنّ الضحايا الفقراء في مزارع المطاط في بوتومايو (أميركا الجنوبية) والزنوج في أفريقيا الذين يلعب الأوروبيون بهم لعبة الصيد، هم قريبون من قلبي (...) الكثير من الصراخ الذي لم يسمع به أحد يرن في داخلي بقوة إلى درجة ليس لديّ زاوية مخصصة في قلبي للغيتو (الحي اليهودي): أنا وطني هو أي مكان من العالم توجد فيه السُّحب والطيور والدموع البشريّة». وكلامها هنا ليس نابعاً من تعاطف (وهو ضروري لإنسانيتنا) قد يراه بعضهم رومانسياً و«غير واقعي»، بل نابع من آراء (ومواقف) قَيِّمة ومهمة حول الجنسيّة والقوميّة وعلاقتها بالعسكرة والحروب والهيمنة.
وفي إحدى أكثر قصائده إيجازاً، رثاها برتولد بريخت بأقل الكلمات: «لقد اختفت روزا الحمراء الآن/ حيث مثواها لا تراه العيون/ علّمت الفقراء معنى الحياة/ ولهذا محاها الأغنياء». لكن روزا التي رفضت الهروب إلى خارج بلادها، ومن دون أن تدري (وربما كانت تدري وتنتظر حتفها) رثت نفسها سلفاً عشية مقتلها على لسان الثورة التي بشرت بها: «كنتُ، وأكون، وسأكون».