تحتل اللغة العربية المرتبة الخامسة من حيث ترتيب اللغات، وتقدّر الإحصائيات أنّ 300 مليون يتحدثون بها بوصفها اللغة الأم، وقد يرتفع الرقم ليصل إلى 350 مليون نسمة. وهذا العدد التقريبي لسكان الوطن العربي وهو ترتيب متقدّم جداً إذا عرفنا أن هناك خمسة آلاف لغة ولهجة في العالم يتراوح عدد المتحدثين بها من مئات الملايين إلى بضع عشرات من الأفراد، في حين اعتمدت الأمم المتحدة منها ست لغات إحداها العربية، غير أن هذا الترتيب يحتاج إلى تفصيل يستدعي مجموعة من الأسئلة المقلقة، فالعدد التقديري من 230 إلى 240 مليوناً لا يتحدثون باللغة الرسمية وهي الفصحى ولا يتحدث جميعهم بلغة الخطاب المشترك أو ما يسمى باللغة الوسطى، بل تتداخل فيها اللهجات المحلية وبعض اللغات السامية والحامية وإذا كان أبو عمر بن العلاء قال قبل نحو 13 قرناً: ما لسان حمير وأقاصي اليمن بلساننا ولا لغتهم بلغتنا، فما الذي سيقوله لو سمع الخليط العجيب من اللهجات الأخرى من المحيط إلى الخليج؟

في الآونة الأخيرة خفتت الجهود العربية المشتركة للاهتمام باللغة العربية والنهوض بها، عدا أبحاث أكاديمية للترفيه وجلسات روتينية للمجامع اللغوية والعلمية وكتب يغلب عليها التكرار والإنشائية، وضاع وسط هذا الركام بعض الجهود المخلصة والفاعلة والكتب القيمة والأبحاث الجادة ولكنها مع ذلك غير كافية في ظل طوفان التواصل الإعلامي الدولي وهيمنة العولمة ما يجعلنا نتساءل مع نصر بن سيار: أإيقاظ أمية أم نيام؟
ولهذا قيل: «لا هوية دون لغة»، «إن أمّة تهمل لغتها: تنتحر بسمّ بطيء».
ولا وطن من دون هوية.
وعندما نتقصى أحوال «لغتنا الجميلة» في الوسائل السمعية والبصرية، سنحزن لحالها على ألسنة ذلك المذيع أو مقدمة البرنامج تلك، ناهيك عن الضيوف من الجنسين، لكنك ستجد ذلك هيّناً عندما تستمع إلى عدد غير قليل من زعماء الأمة وهم يرفعون المنصوب، ويجرّون المجزوم في خطبهم العصماء، إلى جانب الإتيان بالعجائب على مستوى النطق ومعجم المفردات، بل إن بعضهم لم يجد حرجاً في مخاطبة شعبة بلغة المستعمر رغم مضيّ عقود على استقلال بلاده وصرف السنين والمال الكثير في محاولة تعريبه.
اللغة العربية قادرة على مواكبة كل التطورات بمختلف الاختصاصات والمجالات وقد أثبتت قدرتها وفعاليتها، فنحن سباقون بالعلوم والمنجزات.
وفي مرحلة سابقة كانت اللغة العربية لغة العلم والحضارة والإنسانية والمشكلة ليست في اللغة العربية وإنما فينا نحن، لأننا نواجه عوائق ومشكلات كثيرة لمواكبة هذا التطور المتمثل بالتسارع المعرفي والحضاري في عصر الثورة المعلوماتية، والعالم لا ينتظرنا وإذا لم نكن مستعدين فهو يتجاوزنا، فاللغة العربية هي لغة علم ومعرفة ولها إرثها الحضاري والتاريخي المتجذر في أعماق الحضارات الإنسانية جمعاء.
وإذا انقرضت اللغة العربية، «لا سمح الله»، ما الذي سيبقى من مظاهر وجودنا كأمة عربية واحدة غير ماضينا (التليد) بدءاً من عصبية الجاهلية القبلية من شبه الجزيرة العربية إلى تناحر ملوك الطوائف الذي أضاع الأندلس؟!
وإنني أستعيد كلمات كتبها الشاعر العربي نزار قباني يرثي بها حال لغتنا الجميلة: «اللغة العربية في طريقها الى الإنقراض.. لأنها لا تُسْتعْمَل.

تستمع إلى عدد غير قليل من زعماء الأمة وهم يرفعون المنصوب، ويجرّون المجزوم


والشفاه العربية في طريقها إلى الضمور.. لأنها لا تهتزّ.
والأصابع العربية في طريقها إلى الزوال لأنها لا تتحرك».
وما دام الكلام ممنوعاً من الكلام وما دام الصوت ممنوعاً من أن يكون له صوت.. وما دامت الدمعة لا تجد قناةً تصبّ فيها.. فإننا سائرون حكماً وحتماً إلى عصر إنحطاطنا الثاني فعصور الانحطاط لا تجيء إلّا عندما تُمنع أُمةٌ من استعمال
شفاهها.
وقبل أن تصبح اللغة العربية هي اللغة الرسمية التي نكتب بها ونؤذن بها.. ونؤدي الصلوات الخمس بها.. نحاول تهريب اللغة قبل أن يجيء العصر العبراني وقبل أن يصبح المتنبي وأبو تمام والمعري وأبو فراس الحمداني أساتذة في الجامعة العربية يتولون تدرس اللغة العربية باعتبارها لغة من اللغات المنقرضة كاللغات اللاتينية والهيروغليفية.