باريس | «واجب» (2017 ـــ 96 د) في قسم المشاهدة المدفوعة للأفلام في صناديق التلفزيون الفرنسية TV Box. شركة PYRAMIDE الفرنسية التي توزع الفيلم وتعد واحدة من أبرز منتجي وموزعي الأفلام المستقلة في العالم، على الأرجح هي من يقف خلف ذلك، طبعاً بجانب جودة الفيلم الذي توج خلال عام واحد من إطلاقه بأكثر من 30 جائزة في مهرجانات عالمية مهمة. إنها فرصة عظيمة للمقيمين في فرنسا الذين لم يحالفهم الحظ بمشاهدة واحد من العروض القليلة للفيلم في الصالات الفرنسية.

ما زالت آن ماري جاسر تنبش في موضوعها الفلسطيني. صاحبة «ملح هذا البحر» (2008) و«لما شفتك» (2012). تختار هذه المرة أن تغرف من حياة المجتمع الفلسطيني في الأراضي المحتلة عام 1948، كي تعكس لنا الصورة كما هي، من دون مكياج. هل هي ثلاثية؟ لا نعرف، سننتظر القادم.
أب وابنه، سيارة فولفو قديمة ومدينة، هي شخصيات الفيلم الذي تتناول فيه جاسر المجتمع الفلسطيني في مدينة الناصرة. يبدأ الفيلم المليء بالاستعارات بصوت الراديو. نشرة الموتى تصدح في السيارة القديمة التي تستعد بصحبة الأب (محمد بكري) والابن شادي (صالح بكري) لجولة تتضمن مجموعة من الزيارات إلى قائمة المدعوين إلى حفل زفاف شقيقة شادي. شادي هو الزائر من إيطاليا للمساعدة في زفاف شقيقته، بعدما كان والده أرسله للدراسة هناك حرصاً عليه من الجهات الأمنية الإسرائيلية، والمرتبط بعشيقة يعمل والدها في «منظمة التحرير الفلسطينية». الأب مدرس تركته زوجته لترحل إلى الولايات المتحدة مع شخص آخر، يطمح أن يصبح مديراً في مدرسته وإن بمساعدة روني، موظف «الشاباك» الذي ينحصر عمله بمراقبة المدارس وكتابة التقارير، والذي لا يظهر أبداً في الفيلم.
عمل جريء وناقد تدخلنا فيه جاسر إلى بيوت الناصرة. الاستعارة هي أداة الفيلم الرئيسة للهروب من المباشرة والكيتش من ناحية، وقول كل ما يلزم في 96 دقيقة فقط، مدة الفيلم. «الواجب» هنا هو فرض ومجاملة، بغض النظر عما إذا كان الوالد يرغب فعلاً في دعوة أحد إلى زفاف ابنته. يبدأ الفيلم بنشرة الموتى، هل هي إسقاط على مجتمع ميت؟ أم مجتمع تهمه أخبار الأموات أكثر من الأحياء؟ يقدم الأب التنازلات ويعيش «الواقع»، بينما الابن مرتبط بالقضية ويعيش في الخارج (جيلان مختلفان قد نظن أن الأول مهزوم والثاني يحاول الخروج من هذه الهزيمة). فوزي بلوط مغني العائلة، أنغامه و«اسطوانته» التي يكررها منذ 40 عاماً تُفرض على العروس الشابة ليغني في حفلها. «أبو عرب» صاحب مطبعة بطاقات الدعوة يخطئ في طباعة المعلومات، يتنصل من مسؤوليته ولا يعترف بخطأه. شبابيك وشرفات منازل الناصرة الجميلة مغطاة بشوادر البلاستيك القبيحة (هناك عورة يجب سترها دائماً). الجار الذي يرمي أكياس الزبالة على جاره في الطابق الأرضي... تتكثف الاستعارات والمشاهد لتفصح لنا عن حالة من الكذب الجماعي، الكذب كوسيلة للعيش، للظهور، للتعامل مع الاحتلال، الكذب في وعلى كل شيء.

حذفت الترجمة الفرنسية عبارة «تحرير فلسطين»

منظومة، الكل يتواطأ وينسجم معها، ربما سعياً إلى العيش في محيط آمن بأقل الخسائر، أو ربما كنظام دفاعي وهمي ضد حقيقة الواقع، وضد الإذلال الكولونيالي الذي سحق الناس وغير طبائعهم. لكن الحقيقة تنفجر للحظة أحياناً، نشاهد ذلك في شجارات جانبية تظهر هنا وهناك كخلفية للفيلم. الحقيقة مكروهة، الكل يهرب منها، وهي مدانة دائماً لأنها ضد الكذبة الجماعية التي يعيشها المجتمع. حتى فلسطين نفسها تتحول إلى مجرد فانتازيا، نشعر بذلك في مكالمة هاتفية عابرة تدور بين والد شادي ووالد عشيقة ابنه الذي يعيش خارج فلسطين حين يتكلم الأخير عن بحر وجبال فلسطين الخضراء، بينما يقف الآخر مقابل أكياس القمامة المتراكمة. حتى شادي الذي نشاهده يُنَظّر وينتقد الناس والمدينة، ويحث والده على ترك التدخين على أساس أنه لا يدخن، نراه في المشهد الأخير من الفيلم يخرج قداحته من جيبه لإشعال السيجارة التي يقدمها له والده. مشاهدة الفيلم عبر «الصندوق الفرنسي» لم تخلُ من التنغيص، بل أعطتنا إشارة قوية كيف تتعامل شركات الإنتاج والتوزيع الأوروبية مع قضايانا الجوهرية، خصوصاً حين يتعلق الأمر بفلسطين. الفيلم الذي لم يأت مدبلجاً، جاء بترجمة فرنسية غير أمينة. نعرف طبعاً أن لكل لغة خصوصيتها، وعند نقل أي نص إلى لغة أخرى ليس من الضرورة الالتزام به حرفياً. نعلم أيضاً أن المترجم قد يلجأ إلى حيله لإيصال المعنى، لكن حين تتعدى الترجمة على الأفكار الرئيسية المتعلقة بخطاب الفيلم وفحواه؛ يغدو ذلك تحريفاً، لا بل تعمية قد تغيّر خطابه. وهذا ما ينطبق مع الأسف على الترجمة المصاحبة لـ«واجب»، كأن تتحول عبارة «حلم حياتها ترجع على فلسطين بس ما بتقدر ممنوع» إلى «تريد العودة لكنها لا تستطيع»، أو «تحرير فلسطين» إلى «وضع فلسطين». لا نعرف إن كانت جاسر على علم بما تعرّض له فيلمها أثناء نقله إلى الفرنسية، لكن الأكيد أنها ليست المرة الأولى التي يحصل فيها مثل هذا التزوير. تفحّصوا ترجمة الأفلام!