يحيى جابر (الصورة) يلعب بكل شيء. بأحزانه، بمآزقه، غرامياته. يأخذ الكتاب بقوّة ليعرّيه من قدسيته. يدخل على الشعر مهرّجاً، يدوزن الأبيات على وقع كل قهقهات العالم.لا يهمه سوى أن يكون هو على الخشبة. لا يترك مجالاً لصنعة الممثل أن تطغى على سياق نصّه. الفعل المسرحي هنا هو فعل سرد الكلمات بإتقان لا أكثر ولا أقل.


«يا يحيى جابر خذ الكتاب بقوة»، العرض الذي أطلق عليه صاحبه سابقاً عنوان Stand Up Poetry، يلقي تداعيات «شاعرٍ منحوس» على الخشبة. منحوس في الحب، منحوس في الجامعة، منحوس في شعره، في موت والديه، منحوس في السياسة. هو المؤلف والمخرج والممثل والشاعر الذي لا يخاف نقل سيرته إلى المسرح، ولا يخاف أن يكون الشعر ملاصقاً للكوميديا والنقد السياسي.
«لمّا فِتت عالحزب الشيوعي تاني يوم عالريق، انهار الاتحاد السوفياتي. يلعن حظي! ما ظبطت الإشتراكية، قلت بجرّب الإمبريالية... قاموا بعد الغدا خسروا! يلعن حظي! ... معقول أنا بصيب بالعين؟ وذات ربيع ...». هكذا، بدأ نصه. يسرد كل التغيرات السياسية الحاصلة في المنطقة منذ السبعينيات حتى اليوم، ويربطها بحظّه المتعثّر. يحوّل نفسه إلى جلاد. «الجلاد المهرج». يجلد حظّه ويضحك مع جمهوره على نفسه.
ليس سهلاً أن يُضحك كاتب وشاعر وممثل الجمهور على شعره، وفجواته وأخطائه. هو جهد مضاعف في كتابة الكوميديا: كيف تضحك جمهورك على ذاتك ومع ذاتك؟ هل يمكن أن نضحك حين نسمع الشعر؟ هل يمكن للجملة الشعرية أن تكون قاسية، مأساوية ومضحكة في آونة واحدة؟ ليس سهلاً لأي فرد أن يسلّم سيرته الذاتية للخشبة ويعيد تمثيلها مراراً وتكراراً بشكل كوميدي من دون أن يثير شفقة أو حنق جمهوره أو ملل ذاته حتى. هنا، في هذا المكان بالذات، نجح جابر في المحافظة على هامش لا يسمح للشفقة بالتسرّب إلينا. هامش يحافظ على قيمة الشعر وقسوة بعض المواقف التي تعرّض لها في ظل قهقهاتنا المتواصلة. أجاد «شعرنة الكوميديا»، وجعل شعره ملهاة ممسرحة ترتقي بالشعر وتقرّبه من كل الناس، حتى من أولئك الذين لا يتذوّقون الشعر.
تكمن جمالية قصيدة جابر، إذا عزلناها عن العرض، في أنّها مبنية غالباً على أفعال وصور شعرية مشاغبة، حيث تنسج مجمل أبيات القصيدة مشهداً يصلح لفيلم كرتوني أو كاريكاتوري. يكتب يحيى القصيدة كما لو أنّه يرسم الكاريكاتور. اعترف لنا على الخشبة بأخطائه وبعض هفواته، وائتمننا عليها، هو الذي كاد أن يكون معنِّفاً وذكورياً تماماً كوالده، ودخل «معهد الفنون الجميلة» ليفك عقدة الخجل. وظّف اعترافاته تلك وأعاد تأليفها لتحاكي كل فرد منا. نقل أكثر من موقف في السياسة من دون أن ينجذب إلى الانقسامات والتجاذبات.
على العكس، يحرص دائماً على توظيف مشاهده لنبذ كل أنواع الانقسامات والعصبيات الطائفية. حتى في خياراته الموسيقية (طارق بشاشة) كان يحيى يمرّر رسالة سياسية. لم يختم عرضه بموسيقى «موطني» بدافع الصدفة أبداً. ما معنى كلمة وطن في ظل كل هذا التأجيج للعصبيات أينما حللنا؟ لعلّه كما قال في عرضه: «لم تكن ضرورية تلك السفينة يا نوح».

* «يا يحيى جابر خذ الكتاب بقوة»: 28 حزيران (يونيو) و6 تموز (يوليو) ــ 21:30 ــ «مترو المدينة» (الحمرا ــ بيروت). للاستعلام: 76/309363