دمشق | لم تدع نشرات الأخبار التلفزيونية والأشرطة الوثائقية وأرشيف اليوتيوب طوال سنوات الحرب، فرصة لحكاية جانبية متخيّلة تستثمرها شاشات الدراما السورية كوليمة موازية لمائدة الدم، ما جعل تظهير صورة غير مستهلكة أمراً عسيراً، وضرباً من المغامرة الفاشلة سلفاً. حروب القبائل ومتوالية القتل والذبح والسبيّ والنزوح والتهجير القسري، تفوّقت على المخيّلة الدرامية بمراحل.


وإذا بمحاولة تقليد الواقع كما حدث فعلاً، تأتي باهتة ومضجرة وشهادة بصرية بلا أختام. الأعمال التي سعت إلى مناوشة الجحيم السوري ومقاربة أحوال الشخصية التي أفرزها العنف، بدت مطبوخة على عجل أو أقرب إلى «الدليفري» بذهابها نحو اقتناص ما تيسّر من جماليات التوحّش كنوع من الإثارة، أكثر منها قراءة درامية أو سوسيولوجية. ذلك أن «دراما اللحم» تتفوق على ما عداها هذا الموسم، سورياً وعربياً. يحضر اللحم السوري طازجاً ومشلوحاً في الشوارع وتحت ركام البيوت المهدّمة، وفي المقابر المرتجلة، وعراء الحدائق العامة، بوصفه بضاعةً مرغوبة ووجبة شهيّة، تحتوي على مختلف أنواع الدسم: دسم التشبيح والاختطاف، والتنكيل، والقتل. الجسد السوري هنا يخضع لمفرمةٍ تعمل على ثلاث مراحل هي: التعذيب والاغتصاب والذبح، وصولاً إلى استعمال بقايا الجسد لبيع الأعضاء. لكن هل يقع هذا الطراز من الدراما في باب تشريح المجزرة، أم أنه مجرّد إنشاء ركيك للتسلية يصلح للتسويق وحسب، نظراً لأن الأفعال الدرامية هنا تؤكد النتائج وتتجاهل المسبّبات التي أوصلت هذه الشخصيات إلى مرتبة الوحش وهو يتعرّى من إنسانيته تدريجاً؟


أعمال تفتقد إلى
هوية بيئية، رغم الدمغة
السورية لصنّاعها
دراما ليست مهمومة في تعرية أفعال شخوصها بقدر اعتنائها بالقفز إلى السطح مباشرة، وإهمال تاريخ العنف والاستبداد بكافة درجاته كمرجعية أو وثيقة أو شهادة بصرية، لمصلحة التأرجح بين الخنادق، أو اللعب في منطقة الخلاء، من دون أن تسدّد الكرة إلى من يعنيه الأمر مباشرة. وهي بذلك تنجو من مقصّ الرقيب، وتعبر حدود المحطات من دون منغّصات رقابية. وسيزداد الأمر سوءاً وانحطاطاً في ما يخصّ الدراما الهجينة، تلك التي تفتقد إلى هوية بيئية صريحة، رغم الدمغة السورية لصنّاعها، على نحو ما نجده في «العرّاب» في نسختيه، و«24 قيراط» (إخراج الليث حجو، وكتابة ريم حنا)، و«تشيللو» (سيناريو وحوار نجيب نصير وإخراج سامر البرقاوي). كأنّ هؤلاء مجرّد عمّال موسميين ينتظرون مقاولاً لاستثمار عضلاتهم في هذا العمل أو ذاك، بصرف النظر عن نوع البضاعة أو محتواها، والمقاصد المضمرة في تمزيق الهوية المحلية نحو جغرافيا سائلة بلا تضاريس معروفة، والغرق في قصص تقع في خانة الغرام والانتقام. هكذا تجرأ ممثلون على منافسة الاميركيين مارلون براندو وآل باتشينو وآخرين، كزملاء مهنة واحدة. الاقتباس ظلّ أسيراً للنسخة الأصلية في المحتوى وطريقة الأداء، من دون نجاح يُعتدّ به. هنا نحن على موعد مع «دراما اللحم» بجانبها الآخر، المثير والغرائزي والمشتهى، برعاية من جنّة البوتوكس والشفاه المنفوخة والصدور العامرة، في مقترح آخر لدمغة إدارة التوحّش، واستعراض اللذّة كحالة إشهارية في المقام الأول. لكن هل هذا التيه الدرامي حدث عبثاً؟ على الأرجح، هناك غرفة عمليات سريّة تفرض أجندتها الخاصة في مسلك هذه الدراما. أمر يؤدي بها في نهاية المطاف إلى الاحتضار، والعودة بها إلى الوراء عن طريق حقنها بقيم وافدة، كانت الدراما المكسيكية، ثم التركية، هي الدفعة الأولى على الحساب.