حجز السينمائي المصري داوود عبد السيّد (1946) مكاناً له في تاريخ الفن السابع المصري. في أفلامه، ظهر أبطاله (أهمّ نجوم الشاشة المصرية)، بشخصيات جديدة وقوية أمام جمهورهم، وانطبعت قصص أفلامه في ذاكرة المشاهدين الذي يتابعونه وينتظرون اليوم خروج شريطه الجديد «قدرات غير عادية». في بيروت، شارك أحد أبرز رموز السينما المستقلة في مصر في الندوة التي اختتم فيها «نادي لكل الناس» مهرجانه «الفيلم العربي القصير» أخيراً تحت عنوان «سينما المؤلف». علماً أنه كان قد ترأس لجنة التحكيم هذا العام في المهرجان الذي عرض فيلميه «الكيت كات» و«رسائل البحر».


يبدي عبد السيّد إعجابه بأفلام المهرجان هذا العام. يصفها في لقاء مع «الأخبار»، بأنها كانت ذات مستوى عالٍ على جميع الصعد، وليست أفلام هواة، منوّهاً بكليّات السينما الجيدة المتوافرة في لبنان، حيث يقدّم الشباب والشابات أعمالاً كاملة لناحية التقنية والسيناريو والمواضيع الجديدة التي يختارونها. ويرى أن الجيل الجديد يستطيع التعبير سينمائياً عما يجري اليوم حوله بشكل أفضل من الجيل القديم.
في السينما، عمل عبد السيّد مساعد مخرج في أكثر من عمل، منها فيلم «الأرض» ليوسف شاهين، بعد تخرجّه من «المعهد العالي للسينما في القاهرة» عام 1967. أخرج أعمالاً تسجيلية في السبعينيات، إلى أن خرج إلى جمهور سينما المحروسة بباكورته «الصعاليك» عام 1984 (بطولة محمود عبد العزيز، نور الشريف ويسرا) عن الصداقة وعن التحوّل المفاجئ الى حياة الصفقات والمال مع ما يرافق هذا التحوّل من جشع ومخاطر وتغيير في النفسية وفي العلاقات بين الأصدقاء.
خرجت جميع الشخصيات عن طورها في أفلام عبد السيّد، نور الشريف في «البحث عن السيد مرزوق» (1990) ومحمود عبد العزيز في دور الشيخ حسني في «الكيت كات» (1991)، وأحمد زكي عميل الشرطة المتخفي في «أرض الخوف» (1999)، وفاتن حمامة في الليلة التي تقرر فيها الهجرة، فتلتقي بالمجنون يحيى الفخراني في «أرض الأحلام» (1993)، ومؤخراً آسر ياسين الذي يعاني من مشكلة في النطق في «رسائل البحر» (2010). كانت الشخصيات أصدق وأقرب الى المشاهد، وهذا هو المطلوب من خلال دور أي شخصية بحسب عبد السيّد، وهذا هو الطبيعي في السينما؛ أن ينفعل المشاهد مع الشخصية وأن يتأثر مثلها، وأن يعيش ما تعيشه وأن يتغيّر كما تتغيّر هذه الشخصية مع مجريات الأحداث.
هناك أفلام طبعت مسيرته السينمائية وحملت اسمه الى شريحة كبيرة من الجمهور، كفيلم «الكيت كات» (المقتبس عن رائعة ابراهيم أصلان «مالك الحزين») من بطولة محمود عبد العزيز، وشريف منير، ونجاح الموجي وأمينة رزق. يتحدث عبد السيد عن هذه التجربة وعن أسباب شهرة هذا العمل وصموده وانتقاله من جيل الى آخر، ونيله إعجاب جمهور «النخبة» والجمهور العريض. يعتبره «فيلماً محظوظاً... فالجمهور قدر الفيلم»، وبرأيه هناك العديد من العوامل التي ساهمت في نجاحه، منها أن الممثل محمود عبد العزيز لعب دوراً من أهم أدوار حياته. يعود إلى تجربة «البحث عن السيد مرزوق» الذي ــ على عكس «الكيت كات» ـــ نال إعجاب شريحة صغيرة من الجمهور.
عن أفلامه، يقول عبد السيّد أنه يحاول أن يصنع فيلماً يُشاهد أكثر من مرة. هذا ما يصبو إليه ولكن ليس بالضرورة أن ينجح في كل تجربة، مؤكداً أنه لا يجب على المخرج أن يرضخ لما يريده الجمهور. «إن اختار المشاهد القصص التي يحب مشاهدتها والممثل الذي يعجبه يصبح هو المخرج والكاتب». لذا على المخرج أن يقدم ما يشاء هو تقديمه والجمهور سيأتي وحده. يؤكد أنّ كلمة «صناعة السينما» تعني سينما تجارية، وتجارية تعني استهلاكية مع كل ما تحمله هذه الكلمة من أثر على السينما، بينما يُفترض أن يستطيع المشاهد/الإنسان الذي يعيش حياة واحدة، أن يعيش حياة أخرى من خلال الشريط الذي يشاهده. يتذكر أنه في ما مضى كان عمر الفيلم ينتهي مع خروجه من الصالات وكان رصيده هو الأصداء التي يتركها لدى من شاهده، لكن الفيلم يستمر اليوم مع وجود الإنترنت حيث يستطيع الجميع مشاهدته متى شاء. لم يفهم عبد السيد حتى الآن الانتقادات التي وجهّت الى فيلم «مواطن ومخبر وحرامي» من بطولة طارق أبو النجا وشعبان عبد الرحيم. كان هذا الأخير سبباً رئيسياً في توجيه الانتقادات للمخرج بسبب اختياره للدور، فيما أراد عبد السيّد من خلال ذلك أن يتناول فساد المواطن والمجتمع في مصر من خلال شخصيات ساخرة، متسائلاً: «كيف تخاطب الفساد المستشري في كل مكان؟». وعن عمله الأخير «رسائل البحر» (2010) الذي انقسم أيضاً حوله النقاد في مصر، فيروي أن «قناة روتانا» «ذبحت» الشريط حين عرضته، إذ اقتطعت أكثر من ربع ساعة منه ــ مع أنه لا يتضمن مشاهد إباحية ــ متمنياً أن ينال فرصة أفضل لعرضه في لبنان ومعرفة رأي الجمهور به.
الأحداث الأخيرة في مصر من «25 يناير» إلى حكم «الإخوان» فالحكم الحالي، فرضت أنواعاً جديدة من الرقابة على السينما، كان أحد آخر الأمثلة، مفاجأة منع فيلم «حلاوة روح» (2014) لسامح عبد العزيز. يجدد عبد السيد موقفه من رفض رقابة الدولة، لكنه مع الرقابة التي يختارها المجتمع، أي طالما أنّ المشاهد يختار أولاً أن يذهب الى صالة السينما، وثانياً يختار ما يريد مشاهدته، فلا حاجة للرقابة، متمنياً أن تسعى البلاد العربية للمحافظة على ثقافاتها، حيث تشكّل السينما وسيلة مهمّة لهذا الغرض.