نحو 38 سجيناً منسياً يقبعون في «البيت الأزرق» (كما يُطلَق على المأوى الاحترازي) في «سجن رومية». هم عُجَّز لا يقوون حتى على السير، وينتظرون الموت خلف القضبان، ويرفضون ربما الخروج إلى دنيا الواقع، لأنّهم لا يستطيعون الاندماج في عالمنا بعدما أصبح غريباً عنهم. بعد انتهاء شهر رمضان، سيكشف سمير يوسف، مُعِدّ ومقدّم برنامج «عاطل عن الحرّية» (الأحد 20:30 ــ mtv)، ضمن سلسلة «المنسيين بالسجون» عن هوية أقدم سجين في السجون.


بعد استقصاء طويل وبالتنسيق مع شعبة «العلاقات العامّة» في قوى الأمن الداخلي، وقع في يدي يوسف ملفّ محمد نور الدين عيتاني (مواليد 1950) الذي يَقبَع بحسب السنة السجنية، منذ ثلاثين عاماً في سجن رومية. فيما فعلياً هو مسجون منذ 37 عاماً، لأنّ السنة السجنية تُحتَسَب بعد إقرار قانون خفضها على أنّها تسعة أشهر، كحلّ لمشكلة الاكتظاظ داخل السجون.
وكان عيتاني يسكن في زقاق البلاط في بيروت، وبتاريخ 23 آذار (مارس) 1978 أوقف بتهمة قتل والده وجاره، وقضى الحكم عليه بالإعدام. وُضع محمد في مستشفى «الصليب للأمراض العقلية والنفسية»، لكن خلال الحرب هرب السجناء منها ليُلقى مجدداً القبض عليهم واقتيادهم إلى «سجن رومية». في 24 نيسان (أبريل) 1983، صدر حكم مُبرم عن «محكمة جنايات القتل» قضى بتحويل عقوبة عيتاني إلى سنة واحدة حبساً تُنفَّذ في مأوى احترازي، على أن يبقى هناك قيد المعالجة لحين يُثبت شفاؤه، وأنّه لم يعد يشكّل خطراً على المجتمع.


سلسلة تُلقي الضوء على سجناء في «البيت الأزرق»


منذ ذلك الوقت، لم يخرج محمد إلى النور، وبقي مسجوناً، ولم يزره أيٌّ من أقاربه وعائلته. اليوم، لا يكاد يمشي، ولا يمتلك القوة الجسدية للأذية، وبالتالي لا يشكّل أيّ خطر على المجتمع، لكنّه لا يزال في السجن ولم يُخلَ سبيله رغم تنفيذه لعقوبته، ومحاولات خجولة من قبل جمعيات لكنها فشلت. لم تتحرّك الدولة باتجاه السعي إلى معرفة مكان عائلته، وإلى إخلاء سبيله.
حالة عيتاني هي واحدة من بين 38 حالة مماثلة، على غرار قصة علي فقيه الذي قتل والدته أيضاً عام 1979. حالته شبيهة بعيتاني، لكنّه لا يزال في السجن. يُلقي يوسف الضوء على هؤلاء الذين خُفِضت الأحكام بحقّهم إلى سنة حتى الشفاء، لكنّهم لا يزالون حالياً في «البيت الأزرق» في «سجن رومية». وكان «البيت الأزرق» قدأُنشِئ عام 1994 بسبب سجين كان شقيقه يريد الاستيلاء على ثروته، فارتكب جريمة نتيجة وضعه النفسي، فتحوّل إلى مكان مخصّص للسجناء الذين يرتكبون جريمة بسبب وضعهم النفسي ومعاناتهم، ويُصار إلى متابعتهم الصحية. خلال حلقات «المنسيين بالسجون» يُحاوَر السجناء المنسيون ضمن تقارير خاصة تُظهِر عدم رغبة السجناء في الخروج إلى الحرية لأنّهم يخافون مَن في الخارج. فعلى من تقع مسؤولية الحال التي وصل إليها هؤلاء؟