لم يكن ما تناقله الإعلام عن سقوط تدمر مشهداً من مسلسل «العبابيد» (رياض سفلو وبسام الملا ـــ1996) الذي قدم صورة متواضعة عن تاريخ ملكتها زنوبيا (أدت الدور رغدة) وهي تُؤسَر على يد الرومان. ولن يكون حارسها الروماني «أمريشوز» (أدى دوره بسام كوسا) وهو من أصل تدمري واسمه «أمريشا»، حاضراً ليلبي لها طلبها الأخير، ويساعدها على الموت بنبتة سامة لتدحر خصمها الملك «أورليان» (عبد الرحمن آل رشي) قبل أن تصل أسيرة إلى بلاده. ولن تحال هزيمة تدمر نصراً درامياً أكيداً على يد صانع «باب الحارة»! تعدى المشهد الواقعي بأشواط التراجيديا التاريخية التي قدمتها الدراما السورية قبل قرابة عقدين.


لعلّ التقاطع الوحيد بين هذا وذاك هو موت مجازي في الساعات الماضية لحق بعشاق تدمر جميعاً وفق منطق «زواج النحب»، الذي قدمه المسلسل، حيث كان معروفاً في تاريخ الممالك القديمة أن يوضع الرجل الذي رفضت معشوقته الزواج به تحت حائط مسامير منزلق، ويقوم الكاهن بسؤالها للمرة الأخيرة عن رأيها. وفي حال صمتها، يهبط الحائط عليه فيرديه قتيلاً دوناً عن محبوبته! أول من أمس، حسمت وكالات الأنباء أمرها، وأرسلت الخبر معلنة سقوط أجزاء كبيرة من المدينة السورية العريقة تحت سيطرة «داعش» ليجمع الإعلام المعارض والموالي على خبر سيطرة التنظيم الإرهابي على كامل المدينة. أوردت بعض المراكز الإعلامية أخباراً تؤكد خلو الجزء الأثري من الحضور العسكري حتى الآن سواء من قبل «داعش» أو من قبل القوات الحكومية التي انسحبت كلياً مخلية المدنيين وفق وكالة «سانا»، ومفرغة السجون على ذمة مواقع معارضة.


اشتعلت الحرب الافتراضية وضاعت... تدمر

الثابت الوحيد أنّ «بلد المقاومين» باللغة العمورية و«البلد الذي لا يقهر» باللغة الآرامية، و«تدمر» كما تعرفها البشرية، عاصمة لمملكة من أهم ممالك الشرق قديماً، نامت أمس في ضيافة الظلامية! ربما كانت تعاني فعلاً وطأة الإهمال الحكومي وفق ما علّق أحد الإعلاميين السوريين، موضحاً أنّ «المدينة التي كانت تُختصر ببيت شعر وجمل وفنجان قهوة عربية أثناء الاحتفالات والفعاليات والمهرجانات الرسمية تخضع لسيطرة تشبه سيطرة «داعش» منذ زمن بعيد!»، لكن أن ترزح تدمر تحت سطوة التكفيريين، وتتحول إلى جزء من إمارة متأسلمة أشد خطورة من كل المافويات التي عرفها التاريخ الحديث، فهذه كارثة كبرى. المعارك التي دارت ولفها الغموض لغاية سقوط المدينة، كانت جزءاً من حرب أخرى دارت في العالم الافتراضي، وأثبتت جهلاً مدهشاً لدى الجمهور لقيمة المدينة. اندلعت الحرب الكلامية مع ادّعاء موقع اسمه «عكس السير» القول إن إعلام النظام قال «نقطة دم واحدة من جندي سوري أفضل من تدمر وتاريخها»، ليرد المغالون من المعارضة، مشيرين إلى أن «صرخة معتقل واحد في سجون النظام تساوي زنوبيا وجدّتها»؟! وحمَّل آخرون الجيش السوري مسؤولية سقوط المدينة، فكان الرد «تشبيحياً» من أحد رجالات النظام بالقول: «توقفوا عن بث جرعات سمومكم، فلستم أهلاً لتقييم الجيش». طبعاً متلازمات التخوين كانت حاضرة وزاد عليها بعضهم ممن رأوا أنّ مطالب الشعب السوري بالحرية هي التي قدمت البلد قرباناً على مذبح التكفير والتطرف والارهاب. يبدو المشهد سريالياً حتى الآن، لكنه لن ينتهي قبل أن يسجل أصحاب الرايات السوداء إنجازهم ويحملوه على شريط فيديو يظهر صوت التكبير بأصوات تميّزها نبرة النشاز عن كل فكر متسامح. ثم تضرم النيران في صورة عملاقة للرئيس السوري بشار الأسد المثبتة أمام «سجن تدمر». المشهد بث على شبكات التواصل الاجتماعي ليترك صداه على كل من تابعه، فالمدينة التي كانت رمزاً للحضارة شيّد فيها نظام البعث أفظع سجونه، وإذا بهذا الجحر الاستبدادي {يتحرّر» على أيدي تكفيريين ومجرمين وإرهابيين أشد خطورة بآلاف المرّات من النظام.
وسط تلك المعمعة، برزت أصوات العقل التي سارعت إلى إنشاء صفحة على الفايسبوك بعنوان
#SavePalmyra (أنقذوا تدمر). نشرت الصفحة بياناً دعت إلى توقيعه، ونبهّت فيه إلى خطورة التنظيم الارهابي وما فعله من تدمير لمدينتي نمرود والحضَر في شمال العراق، مطالبةً بضرورة توفير الحماية وتحييد المدينة بحجرها وبشرها.