يقدم «مسرح مونو» عرضاً باللغة الفرنسية بعنوان «ماتريوشكا» للكاتبة والممثلة اللبنانية فاليري كاشار. قدمت الأخيرة النص في صيغته الأولى عام ٢٠١٠ قبل حصوله على منحة الدراماتورج الشاب من «مسرح تارماك» الذي سمح لها بتطويره وتحويله عرضاً قُدِّم في فرنسا وأفريقيا، وها هو يحط رحاله اليوم في لبنان.

«ماتريوشكا» أو «فن التجويف» مونودراما حكواتية تعيد تقديم كينونة «المرأة» وتبعات تلك الكلمة التي يفرضها المجتمع عبر علاقة فاليري بالدمى: نتحدث هنا عن الدمى التي تعوّد معظمنا ــ أقله جيلنا الذي لم يعرف الآيباد والتكنولوجيا- على اللعب بها في طفولته من الدمية القطنية البلاستيكية إلى الباربي والدمى الفولكلورية أو التماثيل الصغيرة التي نراها في المتاحف وصولاً إلى دمية الـ»ماتريوشكا» الروسية. تلك الدمية الخشبية المجوّفة التي تخبئ بداخلها دمية أخرى، فأخرى أصغر منها وهكذا دواليك وصولاً إلى دمية لا تخبئ بداخلها شيئاً. هنا تبدأ إشكالية العرض... والمرأة!

أن لا تخبئ المرأة بداخلها كائناً آخر. أن تكون أماً أو لا تكون كذلك. في الواقع، يبدأ العرض بسؤالين طفوليين: من أين يأتي الأولاد ومن أين تأتي الأمهات؟ ومن منهما قبل الآخر؟ تكتفي فاليري في هذا العرض بطرح الأسئلة. وما أن يرتاح المشاهد في مقعده ظاناً أنه وجد الجواب على سؤالها حتى تؤرقه بسؤال مناقض وبكينونة مناقضة لـ «المرأة». لا يبدو هدف العرض البحث عن الإجابات لإشكالية «الأنثى – الأم - المرأة» بقدر ما هو جولة شاعرية جميلة في حكايا الدمى حول العالم. ولعل أكثر الأمور إمتاعاً هو صوت الطفل الكامن في فاليري الذي يتحول إلى أم.
حين تعرفت المرأة إلى الرجل، كان يضربها كل مساء وكانت تخضع لضربه إلى أن أحست أن هنالك طفلاً بداخلها، فبدأت تتلو له كل يوم حكاية وكانت تتلو لنا نحن الجمهور حكايا الدمى: أصغر الماتريوشكات التي تسأل «لماذا لا أحمل بداخلي طفلاً؟» ودمية مادغشقر التي وقفت ثم سقطت ابنها هكذا من دون عناء ثم نظر اليها وابتلعها. خلاصة تلك القصص أنّ هناك أمّاً كامنة داخل كل امرأة على تلك الأرض.
الأم ليست بالضرورة تلك التي يخصب رحمها، فتنجب أولاداً. الولد داخل المرأة يسكن مكاناً آخر غير الرحم، قد يسكن رأسها مثلاً. هي العاطفة الكامنة في كل امرأة تصبح أماً لأمها في لحظات الحياة الساخرة.
كذلك، يسائل العرض بشكل ذكي الصورة النمطية للمرأة عبر الدمى وتحديداً عبر دميتين متناقضتين هما الباربي والمرأة المخزن التي تخزن في بطنها المستطيل أولاداً تنجبهم تباعاً. وكانت أكثر المشاهد إضحاكاً وذكاءً تلك التي تتحدث فيها فاليري عن الباربي.


استعانت بشهريار
للتلميح إلى العنف الأسري والمعنوي


يعتمد العرض بشكل أساسي على نص متقن يجيد فن استخدام الصور والاستعارات لصالح فكرة العرض الأساسية. تدهشك فاليري بربطها للمواقف والكلمات. لعبت على استخدامها للمصطلحات فحمل التجويف l›art de s›évider أبعاداً متعددة. لجأت في نصها إلى الإنثروبولوجيا والحكايا الشعبية القديمة، واستعانت بشهريار ملمحة إلى العنف الأسري والمعنوي الذي تفرضه أحكام المجتمع من دون فائض في التعليل والتحليل. إنّها الفانتازيا التي تختبئ في التفاصيل الصغيرة وتخرج المفاجأة من عيوننا. تجبرك فاليري على وضع نظارة الطفل مجدداً وفي الوقت عينه تمنح أذنيك ملكة استماع الناضج. ذلك أنّ كاتبة هذا النص أجادت دوزنة كلماتها بحيث لا تمر أي كلمة على المشاهد بشكل اعتباطي. المشاهد هنا لا يستمع إلى الحكاية فقط، هو يتذوق سيل الكلمات.
العرض الذي تولت إخراجه فاليري فانسان، طغت فيه فاليري كاشار الكاتبة على فاليري الممثلة. كما لو أنها لم تقدر ككاتبة على التفلّت من حساسيتها للكلمة لصالح فاليري الممثلة. لم تعمل كثيراً على إبراز التفاصيل والتنويعات في أدائها: هل كان ممكناً أن تلعب دور الدمية بشكل مختلف عن دور الأم ثم دورها كفتاة؟ في بعض المشاهد، كانت هناك إطالات لا ضرورة لها. يبدو أنّ فاليري كانت تقدم ما هو مطلوب فقط لتبرز كلمات نصها الذي لا يشك أحد في جماليته وعمق معانيه الطفولية وهذا كان كافياً للمشاهد الذي تمتع بسماع نص فائق الرقة سوف تتم طباعته قريباً. لكن ذلك لا يفسد في ودّ العرض سؤالاً: ماذا لو قدمت هذا النص ممثلة أخرى غير فاليري؟ هل كنا لنبني كمشاهدين تلك العلاقة المميزة مع كلماتها؟ هل كانت لتكون الفرجة مختلفة؟

* «ماتريوشكا»: حتى 24 أيار (مايو) ـــ «مسرح مونو» (الأشرفية) ـ للاستعلام: 01/202422