هل أطبقت “المصيدة” على المفكّر المصري البارز حسن حنفي؟ السؤال مطروح بعدما اجتثت إحدى الصحف القاهرية تشبيهاً عابراً من مداخلته،


القاهرة - وائل عبد الفتاح

في مكتبة الاسكندرية، فبدا كأنّه يسيء الى النص القرآني
“حسن حنفي أخطر من الرسوم الدانماركية” ماذا فعل أستاذ الفلسفة الاسلامية هذه المرة؟ لقد “تطاول على الذات الالهية” أو هذا ما أورده موقع على الانترنت قام بنقل مانشيت صحيفة “مصر اليوم” التي جاء فيها أن حنفي شبّه “النص القرآني بالسوبرماركت. إذ يمكن للمجتهد أن يختار منه ما يشاء”. وبحسب الصحيفة، فإن حنفي قال: “بعض الآيات القرآنية يتناقض بعضها مع بعض، وخصوصاً في ما يتعلق بآيات التسامح والأخرى التي تحض على القتال”. واقتطعت “مصر اليوم” هذه التصريحات من كلمة ألقاها حنفي خلال انعقاد “ورشة الحريات الفكرية” أول من أمس في مكتبة الاسكندرية، حيث دعا إلى “وصف الله تعالى بصفات التسامح والرضا بعيداً من إطلاق صفات الجبار المتكبر المتعالي التي تصوره ديكتاتوراً غير عادل”. في اتصال مع الدكتور حنفي، بدا التوتّر جلياً في صوته وراح يكرّر جملة واحدة: “ابعدوا الصحافة عني”. وقال إنّه اتصل بمكتبة الاسكندرية ليؤكد أنّ كلامه خضع لتحريف واجتزاء من سياقه. وطالب إدارة المكتبة باتخاذ الاجراءات اللازمة ضد الصحيفة التي لم تجتهد لفهم مداخلته ومنطقه الفقهي وتعابيره وتشبيهاته.
حول الإسلام والعنف
لم ينتبه المصطادون في الماء العكر الذين جاؤوا يحرّفون كلام المفكّر الاسلامي البارز، أن الفكرة قديمة: القرآن “حمّال أوجه”. وحسن حنفي حاول تبسيط العبارة لتقريبها من خيال الناس. هذه هي كل الحكاية كما رواها لنا الدكتور جابر عصفور مدير الجلسة التي أورد خلالها حنفي ملاحظاته حول الاسلام والعنف.ورأى عصفور أن تلك هي عادة حنفي في تقريب الأفكار، فيما كانت صحافية “مصر اليوم” تبحث عن فكرة مانشيت ساخنة. وعلى رغم أنّها حاورت حنفي خلال الجلسة، أصرّت على تقديم أقواله بطريقة مجتزأة تفتقر الى أبسط قواعد الأمانة المهنية. وأوضح عصفور، الأمين العام لـ“المجلس الأعلى للثقافة”، في حديثه الى الأخبار: “فتحنا المناقشة فى اليوم التالي، وواصلنا التأكيد على فكرة حنفي... وتدخّل الدكتور عبد المعطي بيومي أستاذ الشريعة الاسلامية ليعطي تشبيهاً آخر يشرح ما أراد توصيله الدكتور حنفي. مفاد التشبيه أن النص القرآني يشبه الماسة تشعّ ألواناً حسب موقعك من الضوء، أو حسب المكان الذى تقف فيهويبدو أن حنفي كان مطمئناً أكثر من عادته في الأيام الأخيرة، هو المعروف بحذره الشديد و“مخترع” نظرية «التخفّي» التي عبّر عنها، قبل عامين، لزميله الدكتور نصر حامد أبو زيد على هامش ندوة حضرها المفكران المصريان. تحدث حنفي الى أبو زيد، العائد وقتذاك للمرّة الأولى الى مصر، بعد هجرة قسرية الى هولندا على أثر قضية «تكفيرية» شهيرة للأسف. كان حنفي يومها متوتراً من الصحافة، أو من خروج المناقشات من القاعة المغلقة. فحساسيته مفرطة، كما هو معروف، تجاه “فاشية الكتلة العمياء”، ولهذا برع في فنّ التخفي أو “التقيّة”. قال يومها: “نصر حامد أبو زيد بالنسبة إلي مسألة شخصية. وليس مجرد موضوع. فهو تلميذي الذي تعلمت منه. استطاع أن يواجه الفكر المسيطر. أنا أستخدم أسلوباً آخر. أسلوب حرب العصابات: “أضرب وأجري”. أزرع قنابل موقوتة في أماكن متعددة. تنفجر وقتما تنفجر. الوقت ليس مهماً. المهم أن تغير الواقع والفكر. نحن نقاوم ألف عام من التخلف. يسمونني المفكر الزئبقي. لا يعرفون كيف يصنفونني. الجماعات الاسلامية تراني ماركسياً. الشيوعيون يعتبرون أني أصولي. الحكومة تتعامل معي على أنني شيوعي إخواني”. وأضاف يومها: “الاختلاف بيني وبين أبو زيد ليس في الخطاب بل المنهج. هو اختار العلن، وأنا أرى أنه لا بد من أن تكون المسألة سرية. هم مسيطرون على العامة وقضايانا هي قضايا الخاصة. إننا مجموعة قليلة. يمكن أن يصطادونا واحداً واحداً. وينتهون منا. لهذا أستخدم آليات التخفي. أصحاب المصلحة هنا يريدون تثبيت النص، لأنهم يريدون تثبيت السلطة. والنص هنا ليس المكتوب فقط بل إن صدام نص. وأشباه نص. وكل تحريك أو نقد للنصوص هو اهتزاز للسلطة. ربما لو كنا واجهنا جميعاً، لما كان نصر تعرّض لما تعرّض له. ومنذ طه حسين مروراً بأمين الخولي وحتى الآن، تكون البداية دائماً من الصفر. ربما لهذا أعتبر أن نصر أبو زيد هو حسن حنفي كما كان ينبغي له أن يكون”.
اعترافات حسن حنفي كانت صادمة. لكنها كشفت عن لعبة “الفرق بين كلام العلن، وكلام المجموعات الصغيرة”. لعبة عُرف بها كأشهر أستاذ فلسفة في الجامعات المصرية. كانت زهوته في الثمانينيات عندما قدّم فكرة “اليسار الإسلامي” التي هي من المشاريع التي وصفت بأنها “توفيقية”، وبأنها يوتوبيا نظرية بدأت مع الجنرالات أصحاب المشاريع القومية من محمد علي الى جمال عبد الناصر.
لكن حلم الجنرالات كان تفسيره مختلفاً عند المثقفين. فالرغبة كانت إبداع مناهج انفرد بها الغرب. وبرزت مشاريع مهمة لكل من محمد عابد الجابري وعبد الله العروي وحسن حنفي، ظلت محور الاهتمام حتى تسعينيات القرن الماضي. لكن مع انتهاء الحرب الباردة، أصبحت الأفكار أكثر حدّة واستقطاباً، فغابت مشاريع الوسط الحالمة. من هنا كان كتاب “الاستغراب” لحسن حنفي موضع نقد كبير، وبداية انحسار أفكاره، وبقاء قيمته كأستاذ جامعي ومعلم أجيال... وهو بقي بالفعل “علامة إرشادية” لطلاب كليات الفلسفة وأساتذتها على السواء.
حسن حنفي اليوم ضحية وصول الفاشية الى الحجرات المغلقة، والمجموعات الصغيرة... واصطياد أهداف متحركة لإعلان انتصار تيار الثقافة السائدة. ثقافة تتحرك من أعلى الى أسفل، وتبحث عن رائحة دماء تقدّمها قربان طاعة عمياء بلا عقل.



من فرج فودة إلى يوسف شاهين
جماعات العنف الاصولي تغسل تاريخها الآن. تعلن التوبة عن مقاومة الحاكم بالسلاح والقنابل.
أمراء العنف يعتذرون عن قتل السادات. يقولون إنه “شهيد الخطأ”. لكنهم لم يعتذروا عن قتل فرج فودة (1994) صاحب كتب “الحقيقة الغائبة” و“زواج المتعة”... ولا عن محاولة غرس سكين فى عنق نجيب محفوظ (1994) استناداً الى “فتوى” بقتل صاحــــب “أولاد حــــارتنا”... ولا اعتذروا أيضاً عن تكفير نصر حامد أبو زيد ومحاولة تفريقه عن زوجته، ودفعه إلى المنفى الإجباري أو ترهيب سيد القمني برســائل الكـــــترونــــية. لماذا لم يعتذر أمراء العنف عن تكفير المثقفين ومطاردتهم وسفك دمهم؟ لأن الجماعات الاصولية إن أجمعت على شيء واحد، فعلى تكفير الفن والثقافة...
هل هناك فرق بين رصاصة أو سكين؟ بين دعوى فى محكمة تلاحـــــق يسرا بطلة “طيور الظلام”، وأخرى تتعرّض ليوسف شاهين صاحب “المهاجر” و“المصير”؟