لا تكتفي قطر بـ«بطولاتها» في السياسة والأمن. تستميت الدولة الخليجية الصغيرة منذ سنوات لاستضافة كأس العالم لكرة القدم في 2022، مصممةً على فعل «المعجزات» للنجاح في هذه المهمّة، حتّى لو تطلّب ذلك الاعتداء على الحرّيات. خلال العام الماضي، برزت تقارير صحافية أجنبية عدّة تتحدّث عن «تجاوزات خطيرة» ترتكبها قطر.


ولعلّ أبرز هذه المواد الإعلامية، تحقيق نشرته صحيفة الـ«غارديان» البريطانية في كانون الأوّل (ديسمبر) 2014، يؤكد أنّه خلال هذا العام سُجّل كلّ يومين «موت عامل نيبالي واحد، من المشاركين في بناء الاستاد العملاق الذي سيستضيف المونديال المرتقب». ولفتت الصحيفة إلى أنّ هذا العدد «لا يشمل المتوفّين من الجنسيات الهندية والسريلانكية والبنغلادشية. فلو أضفنا هؤلاء إلى القائمة لزادت حالات الوفاة على الواحدة يومياً».
هذه الأرقام وغيرها، دفعت مؤسسات معنية بالدفاع عن حقوق الإنسان إلى اتهام قطر بالتهرّب من التحقيقات والتعديلات التي التزمت بإجرائها على القوانين المتعلّقة بحقوق العمّال.
صحيح أنّ قطر ليست مثالاً للحريّات، وخصوصاً لناحية التعبير والرأي، غير أنّه كان من المستبعد أن يصل بها الأمر إلى ما حصل أخيراً.
عبر مقال مفصّل نشره عبر موقعها الإلكتروني أوّل من أمس، أعلن الصحافي في «هيئة الإذاعة البريطانية» مارك لوبل عما تعرّض له طاقم المحطة في هذا البلد أثناء تلبيته دعوة رسمية لرؤية الأماكن الجديدة التي جُهّزت لإقامة العمّال الأجانب ذوي المداخيل المحدودة.
الصحافي المتخصص في شؤون الأعمال والمقيم في دبي، أوضح أنّه «عندما كنّا نجمع مواد إضافية لتقريرنا قبل اليوم المقرّر لبدء الزيارة التي تنظمها السلطات القطرية لصالح الصحافيين، انتهى بنا المطاف في السجن».
وأضاف لوبل الذي كان بين أفراد الطاقم الأربعة أنّه «فُصلنا عن بعضنا بعضاً وعوملنا كالجواسيس، كما طُلب منّا توضيح ما كنّا نفعله وبمن التقينا، وأمضينا في السجن ليلتين. المعدّات التي كانت معنا صودرت ولم تُعد إلينا حتى اللحظة»، مشيراً إلى أنّه «خضعت أنا والمصوّر والمترجم والسائق للاستجواب، لكن من دون توجيه تهم مباشرة لنا، قبل أن يتم السماح لنا بالانضمام إلى الزيارة وكأنّ شيئاً لم يحدث».


مضى الفريق ليلتين في السجن، وحُقق مع أعضائه كل على انفراد

وفي سياق مقاله، بدا لوبل شبه متأكد من أنّه كان تحت المراقبة من اللحظة التي غادر فيها المطار، «لأنّ المحقّقين واجهونا بصور التُقطت لي عندما كنت في مقهى بجانب مسبح».
في المقابل، أعلنت الحكومة في بيان صادر أوّل من أمس أنّ فريق «بي. بي. سي.» قرّر إجراء «زيارات ميدانية ومقابلات بمفرده، وتعدّى بذلك على أملاك خاصة، الأمر الذي يُعتبر مخالفاً للقانون القطري، كما في معظم الدول». وتابع البيان: «استدعيت القوات الأمنية، واحتجز فريق الـ bbc». هذه الأخيرة لم يقنعها الرد الرسمي القطري، فأصدرت بدورها بياناً تردّ فيه على ما قيل معربةً بدايةً عن «سرورها للإفراج عن طاقمها، ومستنكرةً اعتقاله في المقام الأوّل»، ولافتةً إلى أنّ وجوده في الدوحة لم يكن خافياً على أحد وكان يؤدي «عملاً صحافياً لا يرقى إليه الشك». وتحدّثت «هيئة الإذاعة البريطانية» عن «مجموعة من المزاعم المتضاربة التي وردت في بيان السلطات القطرية لتبرير ما حدث»، مشددةً على أنّها «ترفضها بالكامل. ونطالب المسؤولين في البلاد بتفسير كامل وبإعادة المعدات المصادرة».
وبغض النظر عن الأسباب الكامنة وراء سجن فريق «بي. بي. سي.»، أمست طريقة تعاطي قطر مع الإعلاميين تحت المجهر اليوم، وخصوصاً بعد فوزها باستضافة مونديال عام 2022. اهتمام الصحافة بهذا الجانب سيزداد بالطبع، وخصوصاً أنّه سبق تسجيل حالات أخرى مشابهة، آخرها ما تعرّض له طاقم تلفزيوني ألماني، إلى جانب عدد كبير من الصحافيين والناشطين.
ومن المرجّح أن ينصب التركيز الإعلامي على التناقض بين الممارسات القطرية المخالفة لأبسط مبادئ الحرية حول العالم، وتحضّرها لاستقبال حدث كروي بحجم كأس العالم. ورأى الباحث في حقوق المهاجرين في منطقة الخليج العربي في «منظمة العفو الدولية» مصطفى قدري أن ما يحصل هو وسيلة لـ«تخويف من يسعون إلى البحث في انتهاك قطر لحقوق العمّال».