كان | كثيرون عابوا على أفلام هذه الدورة من “مهرجان كان السينمائي» تركيزها أكثر من اللزوم على إشكاليات التمزق العائلي، وما ينجم عنها من جراح وضغائن وأسرار، بحيث لم تترك تيمة حزينة أو مفجعة إلا وطرقتها. وإذا بهم يفاجأون بما هو أدهى: فيلم فرنسي لفاليري دونزيلي بعنوان “مارغريت وجوليان”، يدافع عن “سفاح القربى” بوصفه شكلاً من أشكال الحب “الطبيعي”!


هذا التابو الذي يعدّ من أفظع المحرمات، التي تنبذها كل التشريعات الإنسانية والدينية، شكّلت مادة خصبة للعديد من الأفلام التي عُدَّت من روائع السينما، رغم مضمونها الصادم من Chinatown لرومان بولانسكي (١٩٧٤) الى “الشريطة البيضاء” لمايكل هانيكي (“السعفة الذهبية” - ٢٠٠٩)، مروراً بـ Twin Peaks لديفيد لينش (١٩٩١) وVolver لبيدرو ألمودوفار، وMagnolia لبول توماس أندرسون (١٩٩٩)، من دون نسيان رائعة الدنماركي توماس فينتربرغ Festen (جائزة لجنة التحكيم في “كان” عام ١٩٩٨)، التي تعتبر أشهر فيلم تناول هذا المحرّم.
لكن فيلم فاليري دونزيلي افتقد الى البعد التراجيدي الذي صنع فرادة تلك الروائع، مما جعل قصته أشبه بقصة حب رومانسية، على منوال أفلام المراهقين الهوليوودية. وجاء الفيام خالياً من أي إحساس بالذنب لدى الشقيقين “مارغريت” و”جوليان” اللذين ينساقان، من دون أي وازع، وراء هذه العلاقة المحرَّمة. كما بالغت المخرجة في تنميط ردود فعل الوسط العائلي والمؤسسة الدينية حيال هذه العلاقة، بخاصّة أنّ الفيلم مستوحى من قصة واقعية دارت رحاها في ريف النورماندي الفرنسي عام ١٦٠٣. بالتالي من الصعب التصديق بأنّ المؤسسة الدينية، التي كانت آنذاك في عز سطوتها، يمكن أن تجد الاعذار لتفهم علاقة مارغريت وجوليان، مكتفيةً بالمطالبة بفصلهما عن بعض. وإذا بعمّهما القس يتدخّل لدى قصر فيرساي، بعد القبض عليهما وتقديمهما للمحاكمة، محاولاً إقناع الملك بالعفو عنهما!
خطاب الفيلم جاء ملتبساً وساذجاً، بخاصة في قصيد ختامي طويل برر سفاح القربى ودافع عنه بوصفه الصيغة الطبيعة للحب، في شكله السليقي البدائي، الذي كان الأصل في الطبع البشري، قبل أن تؤطره المحظورات الاخلاقية والاجتماعية! كما أنّ المخرجة الفرنسية حاولت التشبه بصوفيا كوبولا، في تلاعبها بالأزمنة (المشهد الشهير الذي وضعت فيه حذاء رياضياً من ماركة “نايكي” في خزانة ماري أنطوانيت للتدليل على مدى كونها امرأة عصرية!). على المنوال ذاته، فاجأت فاليري دونزيلي المشاهد عند إلقاء القبض على عاشقيها الشقيقين، على شاطئ النورماندي، بينما كانا يحاولان الهرب الى الضفة الأخرى لبحر المانش، في شتاء ١٦٠٣، فإذا بمروحية تابعة لرجال الجندرمة تقتحم المشهد لنقلهما الى فيرساي للمحاكمة! قوبل هذا الأمر بالقهقهة والتعليقات الساخرة خلال العرض الصحافي للفيلم.
حتى أنّ بعضهم علّق بأنّ الفيلم أراد التشبّه بـ “تحت سماء الشيطان”، رائعة موريس بيالا التي ألهبت الكروازيت، وقوبلت بالشتائم والصفير عند حصولها على “السعفة الذهبية” عام ١٩٨٧، مما جعل المعلم الفرنسي المشاكس يلوّح بقبضته في وجه الصالة، راداً على شتائم الجمهور بقوله: أنا أيضاً أمقتكم... فإذا بفيلم دونزيلي أقرب الى “المسخرة” (فيلم باتريس لوكونت الشهير ـــ ١٩٩٦)!