في معرضه الجديدSoftness of a circle, Knife edge of a straight line، وهي عبارة مقتبسة من نص للمخرج الفرنسي الراحل إريك رومير، يخطو عبد الرحمن قطناني (1983) أبعد من معارضه السابقة التي قدمته إلى الجمهور والصحافة على أنه الرسام الشاب الذي صنع من نفايات الحياة اليومية في مخيم شاتيلا فكرته وطموحاته عن الرسم والفن.


لا يزال الفنان في قلب ذاكرته كفلسطيني، إلا أنه لا يريد أن تُبقيه ممارساته الفنية أو انطباعات الجمهور أسير صورة محددة أو مديح جاهز يمكن أن يتحول إلى كليشيه إضافي على مفردات القضية والنكبة والنزوح والمقاومة والكفاح. لقد حوّل قطناني خُردة المخيمات إلى مادة فنية مليئة بالأسئلة الشائكة والجمال المؤلم.
من صفائح الزنك وغالونات الزيت والدهان وأسلاك الغسيل وسدادات قناني البيبسي، استطاع أن يقدم أعمالاً فريدة. خلط النفايات المعدنية بالرسم العادي.
أنجز كولاجات مدهشة بإلصاق ملابس بالية مع نفايات معدنية وخشبية. ثم صنع أشخاص لوحاته من صفائح الزنك مباشرة. في معرضه «توتياء، أسلاك شائكة، وحرية» (2011) خرج أشخاص الزنك قليلاً من حياتهم البائسة والفقيرة إلى نوع خاص من الفرح، ورأينا فتاة تنطّ بسلك شائك بدلاً من حبل، وأخرى تطيِّر بالونات معدنية موصولة بسلك في يدها، وصبياً يقود دراجة مقيدة بأسلاك. وفي معرض آخر استضافه «المعهد الثقافي الفرنسي» في لبنان (2012)، عرض قطناني مجسّماً تجهيزياً ضخماً ضمّ ثلاثة بيوت طبق الأصل عن بيوت المخيمات المرتجلة والمتلاصقة والمفتقرة إلى أبسط مقومات السكن الإنساني.


الإعصار هو تأويلٌ لما يحدث
في المنطقة اليوم
البيت الفلسطيني كما هو في المخيم، ثم أنجز معرضاً كاملاً داخل هذا السياق الذي لعب فيه بذكاء بين بيئة أدواته وبيئة العرض. بدأت فكرة الخروج والتحرر من الواقع ومن محدودية الصورة التقليدية للفلسطيني تتدخّل بقوة في شغله وطموحاته التي راحت تستقبل ممارسات معاصرة وأداءات فنية تتجاوز تلك العلاقة الخيطية البسيطة مع ذاكرته كفلسطيني.
الذاكرة موجودة طبعاً في معرضه الحالي الذي تحتضنه «غاليري أجيال»، ويضم خمسة أعمال منجزة بالأسلاك الشائكة، إذْ نشاهد أربع نُسخ لشجرة الزيتون التي صارت استعارة كبرى لتشبُّث الفلسطينيين بجذورهم مقابل عمليات القضم والجرف المستمرة التي يقوم بها الاحتلال الإسرائيلي لحقول الزيتون. الترميز الذكي يغيّر وظيفة الشريط الشائك كسياج أو حدود إلى أداءٍ آخر، ويصبح انطباعاً طالعاً من جوهر الموضوع الفلسطيني، حيث الأسلاك مقيمة في الوجدان والروح والذاكرة. هناك فرق حاسم بين إنجاز أشكال بشرية من السلك الشائك، وبين إنجاز شجرة زيتون به. وهذا الفرق يعمل لمصلحة الفنان الذي يبدو أنه استثمر الإقامة الفنية التي حصل عليها في باريس قبل عامين، وعرف كيف يمزج بين أبحاثه الجديدة هناك وبين طموحاته بالتحرر (وإن غير الكامل) من الثقل «السلبي» للقضية الفلسطينية. ولعل تجاور أشجار الزيتون الأربع مع عمل خامس على شكل مجسّم لإعصار يبدأ من أرضية الغاليري ويرتفع إلى سقفها، يمثل كوة أو منفذاً للخروج من واحدية موضوع المعرض. كما أن قطناني نفسه يفضّل أن تُشاهد أعماله بوصفها فناً أولاً، وأن تُشاهد عناصر هذا الفن وجزئياته على أنها مواد أولية لتأليف التجهيز أو المجسم أو اللوحة. هكذا، يمكننا أن ننتبه إلى أن ثمة شاعرية ومهارة في حركة أغصان الأشجار، بينما يبدو الإعصار ملتفاً حول نفسه كراقص غارق في فكرته عن الرقص. ولكن من جانب آخر، الإعصار هو تأويلٌ لما يحدث في المنطقة اليوم، ويهدد الدول والشعوب بالموت والتفتت والتذرر الإثني والمذهبي والطائفي. هناك هدف تفاعلي موضوع برسم زوار المعرض الذين سيصلهم أولاً انطباع الأذى والمنع في الأسلاك الشائكة، ولكنهم مدعوّون إلى الحفر أعمق من ذلك. قطناني لا يطالبهم بتجاوز المادة الفلسطينية، بل بمزجها بما يتجاوز المعنى المسبق للنضال والقضية إلى أسئلة الفن «الشائكة» أيضاً. وحين يُلصق الفنان مقطعاً من قصيدة شهيرة للشاعر الفلسطيني الراحل يوسف الخطيب بجوار مجسّماته التجهيزية، فهو يُشهر هويته الأصلية لتكون مسألة بديهية في سياق بحثه وطموحاته لتقديم أعمال لا تُدير ظهرها لتلك الهوية، بقدر ما تترجم تطور أسلوب الفنان وتقنياته التي ينبغي أن نقول أخيراً إنها ذكية ومدهشة، ولا تزال تعدنا بالمزيد من الدهشة.


* معرض عبد الرحمن قطناني: حتى 30 أيار (مايو) ــ «غاليري أجيال» (الحمرا) ــ للاستعلام: 0/1345213.