ما حدث لمدينة تدمر وما سيحدث، ليس منفصلاً عمّا سواه من إبادة لتاريخ استثنائي ينبغي محوه من الذاكرة، وفقاً لغرفة عمليات شيطانية تعمل على تدمير كل ما هو حضري في المنطقة وإعادتها إلى ساحة حروب بين القبائل. ليس مسموحاً إذاً، أن تكون «بالميرا» نقطة مضيئة في الخريطة، بوصفها ممرّاً للقوافل، أو إحدى واحات «طريق الحرير»، أو مسرحاً للفنون، أو متحفاً في الهواء الطلق. ينبغي إلغاء اسم «زنوبيا» من دروس كتاب التاريخ، كما حصل لمدينة بابل بعد الغزو الأميركي للعراق، ثم نهب متحف بغداد، وتدمير متحف الموصل لاحقاً. الورشة الجهنمية نفسها عملت على تدمير القلاع الأثرية السورية، كما يحدث في فيلم أميركي عن قاتل متسلسل لجهة ترك دمغته في مكان الجريمة، من قلعة حلب، إلى قلعة سمعان، وقلعة الحصن، واجتياح مسرح بصرى الأثري. في التمرينات الأولى على محو الذاكرة، كان عليهم أن يقطعوا رأس تمثال المعرّي، ثم نُصب أبي تمام، ثم نُصب إبراهيم هنانو، قبل أن تتحوّل بروفة الحجر إلى قطع رؤوس الأحياء بمساعدة السيوف وزخم الميديا المتطوّرة كي نفهم الدرس جيداً بأن ما حدث لتمثال بوذا في أفغانستان، قبل سنوات، يقع ضمن البرنامج نفسه، لجهة توثيق ثقافة تحطيم الأصنام.

لكن مهلاً، ألم تتسرّب هذه الثقافة نفسها على مهل إلى الذهن الجمعي، وتحفر في خلاياه؟


ينبغي إلغاء اسم «زنوبيا» من كتاب التاريخ، كما حصل لبابل بعد الغزو الأميركي
هكذا صاحت امرأة بسائق الميكروباص، قبل وصوله إلى ساحة يتوسطها تمثال، أن يتوقف عند «الصنم»، من دون أن تفكّر لحظةً واحدة بخطأ المصطلح، كما سيختفي تمثال امرأة تدمرية عارية في مدخل متحف دمشق حرصاً على مشاعر روّاد المتحف. وسيغطّي أحد أساتذة كلية الفنون الجميلة في دمشق جزءاً من تمثالٍ عارٍ برداء أسود، لأسباب تتعلّق بالحشمة، فيما أطلق بعض هؤلاء على قسم النحت في الكلية اسم «قسم الأصنام»، عدا حوادث مجهولة عن تحطيم بعض مشاريع الطلبة. محنة تدمر ليست معزولة عن محنٍ مشابهة، حدثت بالأمس واليوم. ذلك أن هذه المدينة الأثرية العريقة كانت مهملة في الأصل، ولطالما كانت كنزاً لمهرّبي الآثار بغياب الحراسة الكافية، ومكاناً لقضاء حاجات العابرين في الخلاء، وموضوعاً للإنشاء في حصة التعبير عن أمجاد الملكة زنوبيا، وبالطبع حلماً للعجائز الأجانب في مشاهدة سحر شروق شمس الشرق. الآن فقط، لحظة هجوم الضباع على المدينة، نكتشف أهميتها، لكن المستغرب حقاً أن يشنَّ «مثقفون ثوريون»، بكامل عتادهم، حملةً مضادة لمن يدعو إلى حماية المدينة الأثرية من البرابرة، بذريعة «تحرير تدمر».