يبدو كوينتن تارانتينو اليوم أكثر استغراقاً وهدوءاً في ما يصنع. هذا يعني طريقة التفكير في السينما، وما يمكن أن يؤفلم في المستقبل. يعني تقديراً أكبر لمراحل الكتابة، والاستمتاع بها حتى الأقصى. السينمائي الأميركي (1963) ما زال مشاغباً، حاداً، صاعقاً، ثائراً على الكليشيهات السائدة. هو «فيلسوف العنف» و«طالب السينما» الذي اقتحمها من دون تعليم أكاديمي، لينضمّ إلى كبار هذا النادي. في جديده The Hateful Eight «البغيضون الثمانية» الذي يصوّره حالياً، يبقى في عوالم الويسترن التي خبرها في «دجانغو الطليق» (2012).


بعد سنوات من الحرب الأهليّة، يضطرّ ثمانية أشخاص إلى اللجوء إلى مأوى جبلي في «وايومنغ» هرباً من عاصفة ثلجية مريعة. بالتأكيد، هم «تارانتينيون»: يبطنون أكثر ممّا يظهرون، ولا يمانعون الذهاب إلى العنف المطلق، مع رائحة البارود المحترق، وليترات دماء كثيرة على الأرض والجدران. إلى حدّ ما، هم «سفلة مجهولون» (2009)، مجتمعون في «مستودع الكلاب» (1992). نعم، يرجع كوينتن إلى الجذور الأولى، مصطحباً تيم روث ومايكل مادسن إلى بيتهما القديم. «لم يكن أمراً متعمّداً، عندما شرعتُ في كتابة السيناريو، لكنّني أدركت سريعاً أنّ هذا اكتمال لطيف للدائرة»، يقول لمجلة Entertainment Weekly الأميركية في عددها الأخير. لا بدّ من حضور صامويل ل. جاكسون في سادس تعاون بينهما. المفرح أنّ النجم الأميركي يردّد مونولوجاً مرعباً جديداً بعد رائعته الافتراضية من الكتاب المقدّس في Pulp Fiction (سعفة «كان» 1994). أيضاً، لدينا نجم شاب هو تشانينغ تاتوم، وأوسكاري عجوز (بروس ديرن)، وأميركية على الطريق الصاعد (جنيفر جاسون لي)، مع والتون غوغينز ودميان بشير. سيتحدّثون كثيراً عن الذات والخلفية، ليقذفوا بنا إلى راهن أمّة تلعق جراحها. الاجتماع الدموي لعدد من صائدي الجوائز والمطلوبين للعدالة والمحتالين والأفّاكين ورجال القانون المشوّهين، يرسم طاولة عشاء أخير من نوع مغاير. إذاً، هو تشريح عنيف لأميركا على امتداد الفيلموغرافيا. مسير متكرّر نحو الهاوية السعيدة والإعدامات الجماعية.


تشريح عنيف لأميركا على امتداد الفيلموغرافيا


تارانتينو بات غولاً في السيناريو والحوار (أوسكاران عن أفضل سيناريو)، بعد محاولات فاشلة في التمثيل. افتتاح «سفلة مجهولون» سيبقى طويلاً في الذاكرة. الأنكى أنّه يهوى المراجعات النقدية قراءةً وكتابةً، وإن كان يبقي مقالاته لنفسه. هذا منحه قدرةً ساحرة على التلاعب بـ«الجنر» السينمائي، وتجيير بنيته لعكس المتوقع والمألوف. في «سفلة مجهولون»، لم يتردّد في «تزوير» تاريخ الحرب العالمية الثانية، مستنداً إلى تفاصيل واقعية. كذلك الحال في «دجانغو» الذي هشّم أكبر قواعد الويسترن سباغيتي. بطل أسطوري أسود البشرة يخرج من بين العبيد، ليمتطي حصانه ويقاتل الأعداء من أجل حبيبته. في جعبة الأميركي من أصل إيطالي مشاهدات كثيرة وقراءات متنوّعة، لمساعدته في المضي نحو المشاريع التالية. في «البغيضون الثمانية»، يستند إلى حقبة الويسترن الذهبية في السينما والتلفزيون، كما فعل في «دجانغو الطليق». عناوين مثل The Iceman Cometh لجون فرانكنهايمر وThe Virginian وThe High Chaparral، أسهمت في رسم الرؤية والمناخ. تسرّب المسودة الأولى من السيناريو العام الفائت، دفعه إلى إلغاء المشروع، والتفكير بإصداره كرواية مستقلّة. بعد قراءة حيّة للسيناريو المسرّب مع صامويل ل. جاكسون وكيرت راسل وآخرين في «مسرح الفنّانين المتحدّين» في لوس أنجليس، قرّر المضيّ فيه بعد تعديله. تارانتينو يدرك تماماً ما سيصوّره. يقف إلى جانب الكاميرا من دون «مونيتور»، ليتفاعل مع كلّ عبارة وتفصيل. يصير هو الفيلم، إذ تحوم روحه في كل لقطة وجملة. هنا، ينتشل كاميرا «بانافيجن 70» تعمل على فيلم 65 ملم من الذاكرة السينيفيلية، من أجل لعب أكثر على القواعد والأعراف. دماء «البغيضون الثمانية» ستسيل أمام إعدادات صورة، لم تستخدم منذ نصف قرن. من اللاشيء جاء ابن مدينة نوكسفيل، تينيسي إلى جنّة السينما المستقلة، عابراً إلى ميزانيات الاستوديوات الضخمة. بكلّ جموحه وجنونه واحترامه للكبار وشراكته مع روبرت رودريغز، يثبت المراهق النزق أنّه ينضج على طريقته كلّ يوم.