إنّه قسم «المواعيد الغراميّة» في «مهرجان كان». صنّاع أفلام (معظمهم شباب) من جهات العالم يسجّلون أفلامهم في «ركن الفيلم القصير» مقابل 90 يورو، ثمّ يصلون الكروازيت للترويج والتشبيك مع الشركات والمموّلين والمعاهد المتخصصة وممثّلي المهرجانات الدولية. إنّه جسر عبور بين الأفلام القصيرة ورحاب الأشرطة الطويلة.


كثير من صنّاع الأفلام العرب يتسرّعون في تضخيم المشاركة في الركن. يكفي أنّهم في «مهرجان كان» لاستغلال صيته الكبير. ببساطة، «الركن ليس مسابقة رسمية أو تظاهرة عرض، بل هو فضاء ترويجي وتسويقي للأفلام القصيرة». هكذا، شدّد الناقد السوري صلاح سرميني مراراً، بعدما ساعد مخرجين سوريين وعرب في معرفة الركن والوصول إليه. النتيجة السورية غير مسبوقة: 12 فيلماً في الملتقى الكبير.


يرصد سيمون
صفية الاغتصاب الذي تعرّضت له «جوليا»
خلال الحرب


خرائط سينمائية تنهل من الجرح السوري النازف، من وجهات نظر مختلفة. إنتاجات تنوس بين العام والخاص والمستقل. بنى تدفع ثمن عدم وجود معهد أكاديمي للسينما في البلاد، وقلّة السيناريوات المتينة. كثير منها يبحث عن البروباغندا المسوّقة لموقفه السياسي، على حساب الصنعة والأفلمة. إنّها لعنة التلقين الحاضرة في المشهد السينمائي السوري اليوم. «متصوّف» (25 د.) لمحمد موسى، يرافق زاهداً يتوسّل الانعزال عن أهوال الحرب، إلا أنّ ذلك يبدو متعذّراً، فهي تدقّ باب منفاه. شريط يغزل على درامية الإضاءة، وتنويع أساليب التصوير، وأداء بطله محمود خليلي. الاستفاضة في اللقطات، والمباشرة في المونولوغات مآخذ لا يمكن إغفالها. حنّا كريم يتحدّى خطر التجوال في حلب القديمة في «كالحمام الزاجل» (13 د.). بين الروائي والتسجيلي، يتلمّس الباقي من جمال إحدى أخطر مدن العالم هذه الفترة.
عموماً، يبقى إغراء اللقطة الجمالية غالباً على العمارة الدرامية التي لم تكن بتلك المتانة. «كالحمام الزاجل» أفضل فيلم في «مهرجان خطوات السينمائي الدولي للأفلام القصيرة» 2015 في اللاذقية، وهي ثانية جوائز كريم بعد إحدى جوائز مهرجان ساير الآسيوي للأفلام القصيرة في إندونيسيا العام الفائت عن «دائرتك». أمجد وردة لا يغادر حلب في «Goal to Syria» (4 د.). أنيماشن يسلّط الضوء على تضحيات رجال الدفاع المدني في المدينة، وشجاعتهم في إنقاذ العالقين تحت الأنقاض. معاينة أضرار يكرّرها وضاح الفهد في حمص، من خلال وثائقي «أولاد الحجارة السود» (24 د.)، إثر خروج المسلّحين وعودة بعض المدنيين. في «جوليا» (17 د.)، يواصل سيمون صفية تطوّره بعد التجريبي «ليست مجرّد تفاحة» (2012، 1 د.)، والروائي «ليش؟» (2013، 8 د.)، والتسجيلي «النفق» (2013، 25 د.).
ينضج بشكل ملموس على مختلف المستويات، بدءاً من الكتابة وصولاً إلى الميزانسين والأسلوبية وبناء المشهدية. بخفة وبنية هادئة وكلمات قليلة، يرصد تبعات الاغتصاب الوحشي الذي تعرّضت له «جوليا» (أداء متميّز لرنا ريشة) على خلفية الحرب السورية. فاز عنه بجائزة أفضل إخراج في «مهرجان سينما الشباب والأفلام القصيرة الأول» في دمشق. «عشر دقائق بعد الولادة» (10 د.) أوّل أفلام نادين الهبل، عن سيناريو ذكي للصحافي ماهر المونس (أفضل سيناريو في «مهرجان سينما الشباب والأفلام القصيرة الأول»).
عشر دقائق تختزل حياةً كاملةً في الجحيم السوري، إثر انفجار كبير في العاصمة. اللافت في الشريط أسلوب تفكيره الطازج، وبعده عن الكليشيهات في المقاربة والتطوير. في عاصمة أخرى، يواصل الأخوان محمد وأحمد ملص استعمال الفن كسلاح لدعم «الثورة السورية». في «البحث عن عباس كيارستمي» (13 د.)، يجول محمد ملص في باريس بحثاً عن السينمائي الإيراني. الهدف حثّه على التحدّث مع سلطات بلاده التي تدعم النظام السوري. فكرة لافتة كان يمكن العمل عليها أكثر في شريط طويل، خصوصاً أنّ ملص يذكر أن مخرجين سوريين قضوا في الحرب مثل باسل شحادة وتامر العوّام. بدوره، يقترح أحمد الحاج باكورته «هي ثلاثة مسامير فقط!! زحل يلتهم ابنه» (7 د.). تجريبي على مستوى الصوت والصورة، يولّف التشكيل مع الصوت والكوادر غير التقليدية، من أجل احتفاء سريالي بالحياة والرغبة في التحرّر والانعتاق. المميّز في تجربة الحاج أنّها مستقلة بالكامل، وقائمة على تعاون عدد من «فدائيي» السينما الساعين إلى الاختلاف والتجديد. «دواليب الهوى» (5 د.) ليارا جرّوج، يعد بصانعة أفلام واعدة. طفلة تراقب العالم من خلف النافذة، فيما تتطلّع للخروج ومشاركة الأولاد اللعب. من البديهي أنّ الحرب مجهضة للأحلام، مثل الاجتماع بالعائلة مجدداً في «آدم» (7 د.) لأماني السعيد، والعودة إلى البلاد لمساندة «الثورة» في «حنا الغريب» (32 د.) لعبد الله شمسي باشا. في «ابتسم فأنت تموت» (14 د.) لوسيم السيد، تتراكب العوالم الداخليّة لمصوّر الفوتوغراف وأزماته الشخصية مع حال بلد كامل، لتنتج بنية تقترح مستويات متعددة من القراءة والتأمّل.