كان | في حصاد الأسبوع الأول من «مهرجان كان السينمائي» الثامن والستين، تسعة أفلام دخلت معترك السباق على «السعفة الذهبية» (من مجموع ١٩ فيلماً). تجمع كل هذه الأعمال تيمة التمزق العائلي وموضوع الحب في كل أحواله وتقلباته. برز ذلك بصيغ متقاربة، إن على مستوى الإشكاليات المطروحة أو الرؤى الإخراجية، في أربعة أفلام هي أهم الأعمال المعروضة حتى الآن: «ملكي» لمايوان، و»بحر الأشجار» لغوس فان سنت، و»أمي» لناني موريتي، و»أختنا الصغرى» لهيروكازو كوري إيدا. تُرجمت إشكاليات الحب وآلامه وخيباته أيضاً في أفلام يورغوس لانثيموس (سرطان البحر)، وماتيو غاروني (حكاية الحكايا)، وتود هاينس (كارول)، ولازلو نيماس (ابن شاوول)، لكن في صيغ وقوالب فنية مغايرة.


الفرنسية إيمانويل بيركو التي كانت أول من طرح هذه الإشكاليات في فيلمها «الرأس المرفوع»، الذي افتتح به المهرجان (خارج المسابقة)، عادت إلى الواجهة، كممثلة هذه المرة، في فيلم «مَلكِي» لمايوان. تقاسمت مع النجم فانسان كاسيل قصة حب عاصفة تتقلب باستمرار على مدى عشرة أعوام، في أتون ثنائية التجاذب والتنافر. ورغم انتهاء العلاقة بالطلاق، إلا أنّ الانفصال النهائي يظل مستعصياً بين العاشقين، لأنّ طفلاً ولد من هذه الزيجة العاصفة يعتبره كلاهما «مَلكِي الصغير». ثنائية التجاذب والتنافر ذاتها نجدها في «بحر الأشجار» لغوس فان سنت. فيلم انقسم بشأنه النقاد، بين مؤيد يرى أن المعلم الأميركي يعود هنا، على خطى بداياته، إلى السينما التأملية الحميمة التي صنعت شهرته وفرادة عوالمه الفنية («الفيل» الذي نال «السعفة الذهبية» عام ٢٠٠٣ و»حديقة البارانويا» الذي حاز جائزة ستينية كان عام ٢٠٠٧)، بينما رأى آخرون أنّ سيناريو الفيلم لم يرق إلى المستوى المرتقب من قبل صاحب «هارفي مليك». ولا شك في أنّ هذه الفئة الثانية من النقاد هم ممن اكتشفوا فان سنت متأخرين بعد النجاح العالمي الذي حققه «ميلك». بالتالي خابت توقعاتهم، إذ لم يجدوا في جديده الحبكة الهوليوودية التي جعلت من «ميلك» فيلماً تجارياً واسع الانتشار، ولا الخلفية النضالية المرتبطة بكونه عرّاب السينما المثلية وأحد أبرز المدافعين عن حقوق المثليين في السينما المستقلة الأميركية.
في «بحر الأشجار»، يستعيد فان سنت سينماه التأملية الحميمة. يزج ببطله الأميركي «آرثر» (النجم ماثيو ماك كونوغي) في غابة «بحر الأشجار» اليابانية التي يقصدها اليائسون من مختلف بقاع العالم للانتحار، ليتخذ من ذلك حجة لاستعارة الكثير من رمزيات الميثولوجيا اليابانية وحكمتها. ولعل هذه الخلفية الثقافية والروحية المغايرة أسهمت بدورها في تعميق سوء الفهم بين المخرج وقطاع واسع من النقاد، بخاصة الغربيين منهم.
على مدى سنين طويلة، يعيش بطل فان سنت «آرثر» مع زوجته «جوان» (النجمة ناعومي واتس) قصة حب متقلبة، تتنازعها هي الأخرى ثنائية التجاذب والتنافر، ما يفضي بالزوج إلى البرود واللامبالة، فيما تجد زوجته متنفساً في إدمان الكحول. ولا تستيقظ مشاعر الحب مجدداً بينهما، إلا بعد فوات الأوان. تصاب الزوجة بورم دماغي، ويرافقها «آرثر» خلال فترة العلاج، فإذا بالأطباء يكتشفون أن الورم لم يكن سرطانياً، فيعتقد الزوجان أنهما سيبدآن حياة جديدة يتداركان فيها «أخطاء الماضي». إلا أنّ الزوجة تقضي بشكل مفجع في حادث سير، وهي عائدة من المستشفى! هذا الأمر يدفع «آرثر» إلى اليأس والاكتئاب، فيسافر إلى غابة «بحر الأشجار»، بقصد الانتحار. لكن روح زوجته تتجلى له، بأشكال شتى، لتكشف له كل ما كان يود معرفته عنها، ولم يتسع الوقت لذلك قبل وفاتها. فجيعة الحب الناجمة عن «أخطاء الماضي» برزت بقوة أيضاً في رائعة ناني موريتي «أمي» التي عدها النقاد العمل الأبرز من بين الأفلام المتسابقة على «السعفة الذهبية» حتى الآن. لكن الحب عائلي بين مخرجة سينمائية شابة وأمها. تصاب الأم بوعكة صحية عارضة، فيما ابنتها منشغلة عنها بتصوير فيلم اجتماعي مناهض للهجمة الليبرالية المتوحشة التي هيمنت على إيطاليا بفعل السياسات البيرلوسكونية. فجأة، يكتشف الأطباء أن الأم المسنة مصابة بتضخم في القلب، وأنها ستموت خلال أسابيع. وإذا بالمخرجة تكتشف أنّ الوقت قد فات لتدارك أخطاء الماضي التي شغلتها عن والدتها.
الماضي وجراحه احتلا أيضاً مكانة مركزية في فيلم «أختنا الصغرى» لهيروكازو كوري إيدا. المعلم الياباني الذي كان قد أبهر الكروازيت عام ٢٠١٣، برائعته «الولد شبيه أبيه»، قدم عملاً ملحمياً، كان الأكثر حظوظاً لدى جمهور ونقاد «كان»، خلال الأسبوع الأول من هذه الدورة، قارنه بعضهم بأعمال مواطنه الأشهر شوهي إيمامورا (١٩٢٦ - ٢٠٠٦)، وبالأخص لجهة المنحى النفسي في نحت شخوصه وتعرية جراحها الخفية تدريجاً. يروي الفيلم قصة ثلاث شقيقات يكتشفن خلال جنازة والدهما، الذي تخلى عنهن قبل ثلاثين سنة، أنّ لهن أختاً صغرى غير شقيقة، ويقررن الاعتناء بها بعد وفاة الوالد. لكن مشاعرهن يواجهها تباين بين تدليلها بوصفها أصغرهن، والحقد عليها أحياناً لكونها السبب الذي جعل والدهن يتخلى عنهن بعد طلاقه من أمهن.
واللافت أن بنية كل هذه الأفلام ـــ رغم اختلاف عوالم وأساليب مخرجيها ــ جاءت متشابهة كثيراً. جميعها يُفتتح بمشاهد تراجيدية مطولة (حادثة تزلج تليها أسابيع طويلة من العلاج في فيلم مايوان، دخول بطل فان سنت إلى غابة «بحر الأشجار» بغرض الانتحار، ثم تحول ذلك إلى رحلة تيه طويلة، ومرض الأم ثم إعلان الأطباء قرب وفاتها في فيلم ناني موريتي، جنازة الأب وما يبرز خلالها من أحقاد وضغائن في فيلم كوري إيدا...)، وتتخلل هذه المشاهد التراجيدية فلاش - باكات متقطعة، بحيث تكون الآلام والمعاناة المحاور الأساسية للقصة، فيما لحظة السعادة والصفاء مجرد ومضات تُستعاد، بين الحين والآخر، في مرآة الذاكرة...





... ومن الحب ما قتل!

الحب وويلاته برزا بشكل اكثر تراجيدية في أربعة افلام تنافس هي الأخرى على "السعفة الذهبية". المجري لازلو نيماس صوّر قصة إنسانية مؤثرة تدور في أتون غرف الغاز النازية. وقد عُدّ فيلمه "ابن شاوول" المفاجأة الابرز في هذه الدورة. فهو ينافس على "السعفة" وعلى "الكاميرا الذهبية" ايضاً، كون هذا الفيلم هو عمله الاول. وفضلاً عن حساسية الموضوع الذي يتناوله، أي المحرقة النازية التي تشكل جرحاً غائراً في الذاكرة الجمعية الأوروبية، فإن النقاد أشادوا ببنيته الخارجية المحكمة. إذ اعتمد تقنية الكاميرا الإيحائية، مركزاً دائرة عدسته على وجه "شاوول"، العامل اليهودي المسخر من قبل النازيين للمشاركة في أباطة أبناء جلدته، فيما كل مشاهد التقتيل والإحراق البشعة، التي تدور من حوله، يلفها الغموض والضبابية، بسبب هذه الطريقة المبتكرة في ضبط وضوح الكاميرا. فجأة، ورغم آلاف الضحايا الذي كان شاهداً على ابادتهم، يتعلق شاوول بفتى يحاول أن يخفيه لانقاذه من غرف الغاز. ثم حين يقتل، يسرق جثته ويسعى - طوال الفيلم - للعثور على حاخام لأداء صلاة الموت عليه تمهيداً لدفنه. وبلغ تعلقه به الى درجة أنّه صار يتوهم انه ابنه!
اما اليوناني يورغوس لانثيموس، الذي كان ايضاً احدى المفاجآت السارة في هذه الدورة، فقط اختار أسلوب التغريب والخيال العلمي. وقدم في "سرطان البحر" مرافعة ساخرة ضد العائلة ومؤسسة الزواج، باعتبارهما أشكالاً من التوتاليتارية الاجتماعية التي تسحق حرية الأفراد (كان سبق له أن طرح هذه الرؤى ذاتها في فيلمه "أنياب"، الذي فاز بجائزة "نظرة ما"، عام ٢٠٠٩). وهو هنا يتصور مستقبلاً تطارد فيه الدكتاتورية الأخلاقية كل شخص يُضبط متلبساً بجُرم العزوبية، فيوضع في فندق، وتُمنح له مهلة ٤٥ يوماً ليجد شريكة حياة يتزوجها، وإلا يتم مسخه الى كائن غريب ومنفر!
العوالم الغرائبية ذاتها نجدها في "حكاية الحكايا" لماتيو غاروني، وهو مقتبس من نص كلاسيكي إيطالي من القرن السابع عشر، لجيامباتيستا بازيلي، أشبه بحكايات ألف ليلة وليلة (اقتبسه سينمائياً المعلم السوفيتي يوري نورشتاين، عام ١٩٧٩). ويوري قصة ملكة (سلمى حايك) تحلم بإنجاب ولد، فيما زوجها الملك (فانسان كاسيل) مشغول بالاعتناء بكائن غريب يحاول أن يتخذ منه حيوانه الأليف!
أما الامريكي تود هاينس، فقد قدم في فيلمه "كارول" قصة حب مثلية (مستحيلة) تنشأ بين امرأتين تقعان في غرام بعضهما، بشكل عاصف، في نيويورك الخمسينات. مما يضعهما في مرمى نيران العقليات المحافظة والتابوهات الاجتماعية التي كانت سائدة آنذاك في أميركا ما قبل ثورات التحرر الجنسي في الستينات...
عثمان...