في إطار «مهرجان ربيع بيروت» الذي تنظمه «مؤسسة سمير قصير»، يعيد علاء ميناوي (1982) تقديم تجهيزه الضوئي «نور يرتحل» في بركة سمير قصير بعد عرضه في «مهرجان أمستردام» (الأخبار 1/12/2014). الحدث يجري بدعم من مشروع «صِلات: روابط من خلال الفنون» الهادف إلى تعزيز الحياة الثقافية في المخيمات الفلسطينية في لبنان. يقدّس الفنان البصري الضوء، هو الذي عمل في عروض مسرحية عدة كمدير إضاءة أو كسينوغراف. بعد إكمال دراسته في «الجامعة اللبنانية الأميركية» في بيروت، توجه إلى لندن ثم الولايات المتحدة لتعميق دراسته في المسرح عبر ورشات عدة أهمها ورشتان أقامهما مع الفنان البصري والمخرج المسرحي الشهير روبرت ويلسون. تأثر ميناوي بويلسون وبرؤيته إلى الضوء والفلسفة الخاصة به. يعتبر الضوء العنصر الأهم في مسرح ويلسون الذي لا يتوانى عن القول بأنّ «الضوء هو الممثل الأساسي على الخشبة». وفقاً لبعض الذين عملوا معه، تشكل «الخشبة لوحة ضوء يتم رسمها». ذهب ميناوي أبعد من أستاذه بقليل. أعاد للضوء بعده الروحاني، معتبراً أن الضوء هو هالة: «هالة الممثل والمخرج الحاضرين على الخشبة، لا أداة وظيفية تجميلية تضفي جواً على العرض». الضوء بالنسبة إلى ميناوي شخصية مستقلة عن سائر الشخصيات وحاضرة كهالة جامعة.


والهالة تخرج من كل البشر أينما حلّوا. ربما كانت ثلّة الهالات التي رآها ميناوي تخرج من مجموعة من اللاجئين أثناء عمله، هي التي دعته إلى إنجاز «نور يرتحل». طوال ثلاث سنوات، عمل ميناوي في لبنان كمترجم فوري لدى إحدى الشركات التي تقابل مجموعة من اللاجئين (عراقيين، سوريين، سودانيين، صوماليين...) الذين قدموا طلب لجوء إلى الولايات المتحدة. كانت مدة المقابلة ثلاث ساعات يجريها مقدم الطلب، سارداً كل تفاصيل حياته من أسباب الخروج من البلد الأم أو الهروب وصولاً إلى لبنان. طوال ثلاث سنوات، استمع ميناوي لقصة ألف عائلة. حين كان يستمع لقصصهم ويترجمها، كان يرى وهجاً قوياً يخرج من كل لاجئ. وهجٌ مختلف، يصرّ على الخروج بإسراف. على حد قول ميناوي، حين يخرج اللاجئ من بلاده «لا يترك منزله ومقتنياته الخاصة وألعابه وأصدقاءه فقط، بل أيضاً جلده هناك»، فيبقى الضوء. هذا الضوء يلازم صاحبه أينما حل في ترحاله ويصر على بوح نثرات الماضي. بعد ثلاث سنوات من الإنصات، أخرج ميناوي كل تلك الترسبات الضوئية التي انسابت إلى جلده وروحه. وكان عليه أن يخرج أيضاً جزءاً من قصته، ما يبرر عنوان التجهيز بالإنكليزية my light is your light (ضوئي هو ضوؤك) ومما يذكرنا بمقولة فكتور هوغو «حياتي هي حياتك. حياتك هي حياتي. امسك اذاً تلك المرآة وانظر إلى نفسك». علاء ميناوي الفلسطيني الأب الذي ينتمي أيضاً إلى سلالة اللاجئين، رسم في تجهيزه بواسطة خطوط من ضوء النيون عائلة تتألف من ستة أفراد. عائلة في الفضاء الطلق. الأب في المقدمة ينظر إلى الأمام، الجد المتعب، الطفل في الخلفية، العمة والأم والمراهق الذي تفصل مسافة بينه وبين مسيرة العائلة كما لو أنه منسي. بهذه البساطة، ارتأى ميناوي التعبير عن المعاناة المشتركة التي تلتصق بيوميات كل لاجئ في بقاع الأرض أكان عراقياً، سورياً، صومالياً أو مغربياً أو سينغالياً.


يجسد التجهيز مسيرة
اللاجئ في كل بقاع العالم

بخطوط النيون الانسيابية، نقل ضوءاً جامداً بارداً لا حرارة فيه. ضوءٌ منكسر لا يملك من القوة إلا القليل. وحده الطفل في الخلفية لم يكن محني الرأس. وحدهم الأطفال يملكون الأمل في عائلات اللاجئين. يضفي الانعكاس الضوئي على بركة سمير قصير، بعداً مختلفاً. يبدو هذا الخط الانسيابي معكراً مشوّشاً بخربشات الهالة. يذكرنا بكل أولئك الضحايا الذين سقطوا في عرض المتوسط في محاولة لبلوغ الضفة الأخرى بعدما لفظتهم بلادهم الأم. وقع اختيار ميناوي على بركة سمير قصير لأنّ هذا المكان ذو دلالات سياسية واجتماعية متعددة، فتاريخ وسط بيروت حافل بذاكرة لم تعد موجودة. كان في الماضي أحد خطوط التماس التي شهدت تهجيرات متعددة والمرفأ الذي وجد على أطراف الوسط أقل الآلاف من المهاجرين. كما أن تلك المجسمات وُضعت في بركة رجلٍ، هو سمير قصير الذي لاقى أيضاً نصيبه من التهجير كونه من أب فلسطيني وأم سورية، وقُتل لأنه تأمل كثيراً في شقاء العرب أكثر من اللزوم، هذا كله فضلاً عن تعلق ميناوي الشخصي بجمالية المكان. نفِّذت المجسمات الضوئية في أمستردام مستغرقةً جهداً لا يستهان به. يبقى القول إنّ هذا التجهيز بحاجة لجرعة تنشيط ثقافي خفيف كي لا تتحول وظيفة تلك المجسمات إلى وظيفة تجميلية. إذا استثنينا الأفراد الذين علموا بالحدث وقصدوا أو يقصدون بركة سمير قصير خصيصاً لرؤية «نور يرتحل»، فإنّه لن يتسنى للمارة أن يعرفوا ماذا تجسّد تلك المجسمات وعلى أي أساس صُنعت إلا اذا وضعت شارة تلخّص العمل.

* «نور يرتحل»: حتى 4 حزيران (يونيو) ـ بركة سمير قصير (وسط بيروت)