في فيلم غودار «رجال الدرك» (1963) يُدعى رجلان فقيران للانضمام إلى جيش الملك، مع وعد أن يكون بمقدورهما أن يغنما ويقتلا ويغتصبا ويفعلا ما شاء لهما. لكن حقيقة الغنائم التي عاد بها ميكل انج وأوليس إلى زوجتيهما بعد سنوات لم تكن سوى بطاقات بريدية، المئات منها، تصوّر مخازن حكومية، حيوانات، عجائب طبيعية، وسائل نقل، أعمال فنية تمجّد العالم الذي قاتلا من أجله. تُحاكي «نكتة» غودار السحر الملتبس للفوتوغراف.


الكاميرا في طبعها المكثّف للبيئة، المُحبّ للتملك هي تجربة الاستيلاء. «عندما أتأمّلكِ، لا أعرّيكِ بنظري، بل الأرجح أُلغّزكِ. أكسوك بطقوس نظر لا يخترق بل يخترع. نظري يدُ خيالي». قال الراحل أنسي الحاج، ما ينطبق تماماً على بورتريهات الفوتوغرافي الأرمني هوسيب مادينيان (1915-2012) التي رعاها بكثير من الصنعة والانتباه والغموض. عثرت عليها المصوِّرة والفنانة والاختصاصية في الأنثروبولوجيا والتقاليد البشرية هدى قساطلي عن طريق الصدفة في سوق البسطة عام 2012، مذيّلة بتوقيع «سارو». تعقّبت أثر صاحبها الذي جاء إلى لبنان طفلاً هرباً من مذابح الأرمن، تعلّم اللاهوت وافتتح استوديو في ساحة الدبّاس وأماكن أخرى، مُوقّعاً صوره باسم الراعي سارو في «أوبرا أنوش». المعرض الذي تخصصه «غاليري أليس مغبغب» لفنان البورتريه ويضمّ 30 صورة التقطها الفنان مع نصّ لهدى قساطلي، يتزامن مع صدور كتاب «هوسيب مادينيان: فنان البورتريه المنسي» (دار العين).
كانت الأسر تدهن صور الأسلاف بالبرنيق كل ربيع، ما جعلها تنأى عن الحاضر سنة بعد سنة، تغور على مهلها في بركة داكنة من برك الغابات. الرسام يبني، لكن الفوتوغرافي يكشف ويحرّر، تبدو صور مادينيان كأنها رسومات عُزلت في مُختبر بغية «تنظيفها»، نُزعت اللمسات والطلاءات الشفافة الأخيرة وأعيدت في نشوة من الظفر إلى أصباغها السفلى، إلى الدراسة الدقيقة الصلبة التي يبدأ بها الرسّام لوحته.


وجّهت هدى قساطلي
الأنظار إلى الفنان المنسيّ
لكن وإن كان مادينيان مُخلصاً للصورة المتقنة التي يأخذها بجهاز «شنايدر» أو «كوداك» بالأبيض والأسود تحت إضاءة ناعمة ويعكف على تلوينها يدوياً، فإنه يميل إلى حماية موديلاته من النظرة النافذة المُحدّقة للكاميرا.
في أسوأ سنوات الأزمة الألمانية عام 1930، وضع هلمار ليرسكي خلاصة وافية عن الوجوه المتوجعة، نُشرت تحت عنوان «وجوه يومية». الموديلات/ المأجورون في هذا العمل الذي دعاه ليرسكي «دراسات موضوعية عن الشخصية» كانوا خدماً وعاطلين ومتسوّلين وكنّاسي شوارع وبائعين متجوّلين لا مبالين بعدائية الكاميرا التي كشفت مسام الوجه المكبّرة بإفراط والغضون وشوائب البشرة. فضّلت الأجيال الحديثة من الفوتوغرافيين كشف الحقيقة لا الجمال، واستقطاب حكاية مقلقة أكثر من عزل «شكل مُبسّطّ». الصور التي التقطها دبليو يوجين سميث في نهاية الستينيات في قرية يابانية لصيادي السمك تُدعى ميناماتا، وكان أغلب سكّانها مصابين بالشلل ويعانون الموت البطيء من سموم الزئبق، تثير مشاعرنا لأنها توثّق الخزي والمعاناة وترتبط بالرغبة في التغيير السياسي والاجتماعي، لكنها في الوقت نفسه تحيّد مشاعرنا لأنها صورة رائعة عن الألم. أما صور جاكوب رايس الخاطفة، فتبدو جميلة بسبب قوة مواضيعها وتأطيرها الخطأ وعدم السيطرة على النقاوة اللونية. هذه الجمالية مزدوجة المعايير - نتاج الفطرة أو الخطأ أو الاهمال- تقابلها جمالية تقليدية عند سارو وجهد لزخرفة العالم. تزيين الموضوع أو جعله مثالياً، يظل هدفاً للتصوير الفوتوغرافي اليومي والتجاري، لكن هل هو فن؟
صحيح أن بورتريهات مادينيان لا تتدّعي بأنها كذلك، إلا أن القوام الإنساني الذي تقف عليه، يحيلنا إلى ما يمكن اعتباره حالة سردية لظرف اجتماعي وجغرافي اختبره المصوّر شخصياً، وانعكست تحوّلاته على سيرة مجتمع كامل، ولعدسته أن تكون شفوقة ومهذّبة وهي تثبّت معجزة الهنا ومعجزة الآن، متنقلة بين صور جوازات سفر وأعراس وأطفال ورياضيين وقرويين وفاتنات في مهرجان الزهور في بكفيا قبل الحرب.

* «تحية إلى هوسيب مادينيان (1915-2012)»: حتى 22 أيار (مايو) ــــ «غاليري أليس مغبغب» (الأشرفية) ـ للاستعلام: 01/204984