كان | كل المؤشرات تدلّ على أنّ الدورة 68 من «مهرجان كان السينمائي» (الأخبار 20/4/2015) التي تنطلق اليوم ستكون واحداً من أخصب المواسم في تاريخ الكروازيت. المهرجان العريق الذي تأسس عام 1946، يودّع عقده السادس في هذه الدورة. توقيت اختاره «عرّاب الكروازيت» جيل جاكوب، لمغادرة رئاسة المهرجان، فيخلفه بدءاً من هذه السنة، بيار ليسكور، مدير تلفزيون «كانال +» الفرنسي، الذي يعد الشريك الفني والممول الأبرز للمهرجان منذ ربع قرن.


تسلّم ليسكور دفة المهرجان عدّه النقاد خبراً سعيداً على أكثر من صعيد، وخاصة أنه يبشر بإحياء الجانب الاحتفالي الذي أسهمت «كانال +» من خلاله في تكريس شهرة «كان» وسحره. هذا الجانب الاستعراضي تراجع كثيراً تحت تأثير الأزمة التي نجمت عن انسحاب الاستوديوات الهوليودية الكبرى من الكروازيت عام 2003، ضمن حملة المقاطعة الأميركية لـ»السلع» الفرنسية، بسبب الموقف الفرنسي المعارض للاحتلال الأميركي للعراق آنذاك. ثم تعمقت النكسة بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008، رغم عودة هوليود الى المهرجان، ولو على استحياء.
إسناد إدارة المهرجان لبيار ليسكور الذي ارتبط اسمه بالعصر الذهبي لـ«كان»، على مدى ربع قرن، ليس المؤشر الوحيد الذي يبشر بإخراج المهرجان من حالة الفتور والتململ التي ألقت بظلالها على جوانبه الاستعراضية. في الدورة الحالية، يرأس الأخوان جويل وإيثن كوين لجنة التحكيم الرئيسية. المخرجان الأميركيان المشاكسان، تعوّدا أن يلهبا الكروزايت في كل مشاركة لهما، منذ أن خطفا «السعفة الذهبية» عام 1991، برائعتهما Barton Fink، إلى أن تكرس اسمهما عام 2000، حين قدما رائعتهما O’Brother. من خلال روحهما المرحة، وما يشتهران به من فكاهة ساخرة، سيترك الأخوان انطباعاً مميزاً سيبقى في ذاكرة المهرجان لسنوات.
لكن تميز هذه الدورة لا يقتصر فقط على الجانب الاستعراضي. التشكيلة الرسمية للأفلام المشاركة تعد بمنافسة محتدمة في السباق نحو «السعفة الذهبية». يتصدر المنافسة اثنان من «أصحاب السعف»، ممن أحرزا هذه الجائزة الأشهر عالمياً. الأول هو الأميركي غوس فان سنت، عرّاب السينما المثلية الذي خطف السعفة عام 2003 عن رائعته «الفيل». وها هو يعود بـ»بحر الأشجار» المرتقب أن يشكل إحدى مفاجآت هذه الدورة كونه صُوّر في اليابان، وعنوانه يحيل على اسم غابة شهيرة هناك يؤمها الشباب اليائس من مختلف بقاع العالم من أجل... الانتحار! أما صاحب السعفة الآخر، فهو الإيطالي المخضرم ناني موريتي الذي يعد من رواد الكروازيت الدائمين وينافس هذه السنة بفيلمه «أمّي». ترأس لجنة التحكيم عام 2012، وفاز بالسعفة عام 2001 عن «غرفة الابن» بعدما خطف جائزة أفضل إخراج عام 1994 عن «يوميات حميمة».
في مصاف كبار صناع الفن السابع، يشارك في هذه الدورة أيضاً سينمائيون لا يزالون يتطلعون لنيل السعفة بعدما أحرزوا «الجائزة الكبرى»، ثاني أهم المكافآت في «كان». في مقدمة هؤلاء، الإيطالي ماتيو غاروني الذي خطف «الجائزة الكبرى» عام 2008، عن رائعته «غومورا»، التي تسببت بإهدار دمه من قبل المافيا في مسقط رأسه نابولي.


يرأس لجنة التحكيم
الرئيسية الأخوان جويل
وإيثن كوين


كما نال مجدداً الجائزة الكبرى عام 2012 عن شريطه «واقع». وهذه السنة، ينافس بفيلم «حكاية الحكايا». الفرنسي جاك أوديار فاز هو الآخر بـ»الجائزة الكبرى» عام 2009 عن فيلمه الأشهر «نبي» (جائزة أفضل ممثل لطاهر رحيم)، ويعود هذه السنة بـ Dheepan. سر غرابة هذا العنوان (بالنسبة إلى فيلم فرنسي) أن أوديار زاوج فيه بين التخييل والتوثيق، وصوره في عوالم اللاجئين التاميل في باريس.
بعد «أصحاب السعف» والفائزين بـ»الجائزة الكبرى»، نجد سينمائيين فازوا بمختلف جوائز المهرجان الأخرى، باستثناء هاتين الجائزتين، وتكرسوا ضمن «زبائن كان» خلال العقد الأخير. في مقدمة هؤلاء، سينمائي مخضرم يعود الى الكروازيت بعد قرابة ربع قرن من الغياب. إنّه التايواني هو هسياو سيان الذي فاز بـ»جائزة لجنة التحكيم عام 1993، عن فيلمه «سيد الدمى». ويعود لينافس على السعفة بجديده «القاتل». الإيطالي باولو سارنتينو، الذي فاز بجائزة لجنة التحكيم، عام 2008، عن فيلمه Il Divo، ينافس هذه السنة بفيلمه «شباب» مع هارفي كيتل، وجين فوندا. الصيني جيا زهانغ كي الذي نال جائزة أفضل سيناريو عام 2013 عن رائعته «لمسة من الخطيئة»، ما كرّسه ضمن كبار صناع الفن السابع، يعود هذه السنة بجديده «الجبال (أيضاً) قد ترحل».
الفرنسية مايوان التي أبهرت الكروازيت، عام 2011، بفيلمها المؤثر «بوليس» الذي كوفئ بجائزة لجنة التحكيم، تشارك في هذه الدورة بفيلم «مَلَكي». ويعود الياباني هيروكازو كوري إيدا، بعد عامين من إحرازه جائزة لجنة التحكيم، عن فيلمه «الابن شبه أبيه» وينافس على السعفة الذهبية بجديده «أختنا الصغرى».
أما المفاجآت التي تشكل عادة ملح المهرجان، فإنها ستأتي من سبعة سينمائيين، بعضهم جديد على الكروازيت، بينما سبق لبعضهم الآخر أن شارك في التظاهرات الموازية.
ضمن الوافدين الجدد، الأوسترالي جوستن كورزل، الذي يدخل المسابقة الرسمية بفيلم مقتبس عن مسرحية شكسبير «ماكبث»، والمجري لازلو نيماس بباكورته «ابن ساول». أما القادمون من التظاهرات الموازية، فنجد بينهم الأميركي تود هاينس الذي سيقدم جديده «كارول»، والمكسيكي ميشال فرانكو (Chronic)، واليوناني يورغوس لانتيموس (جراد البحر)، والكندي دونيس فيلنوف (Sicario) والنرويجي جوهاكيم ترير (أقوى من القنابل) بعدما كان الاكتشاف الأبرز في «كان ـ 2011»، حين قدّم فيلمه المبهر «أوسلو، 31 أغسطس» ضمن تظاهرة «نظرة ما».

* مهرجان كان السينمائي الدولي: بدءاً من اليوم حتى 14 أيار (مايو) ـــ festival-cannes.fr




فرنسا في الواجهة

كما جرت العادة، تُفرد الكروازيت مكانة خاصة للسينما الفرنسية التي قال المفوض العام للمهرجان تييري فريمو إنّ موسمها الحالي «كان خصباً إلى درجة أنّ الأفلام الخمسة التي تخصّص لها عادة في المسابقة الرسمية لم تتسع لجميع الأفلام التي وجدنا أنّها جديرة بالمشاركة، ما استدعى تقديم 3 أفلام فرنسية أخرى خارج المسابقة». الى جانب جاك أوديار ومايوان (راجع المقال أعلاه)، نجد أيضاً في التشكيلة الرسمية ستيفان بريزيه الذي يشارك بفيلم «رجل بسيط»، وفاليري دونزيلي التي ستنافس بـ»مارغريت وجوليان»، وغيوم نيكلو الذي سيشارك بـ«وادي الحب».
أما خارج المسابقة، فسيعرض فيلم «حب» للسينمائي المشاكس غاسبار نوي، وفيلم «إسفلت» لصامويل بن شتريت المقتبس عن إحدى رواياته البيوغرافية، فضلاً عن فيلم الافتتاح «الرأس المرفوعة» لإيمانويل بيركو (بطولة كاترين دونوف). خارج فرنسا، ودائماً ضمن العروض الخاصة خارج المسابقة، نجد أعمال أربعة مخرجين مخضرمين، من كبار صناع الفن السابع: الأميركي وودي ألن يعود بـ»رجل غير عقلاني»، والألماني باربيت شرودر الذي ألهب الكروازيت، عام 2007، بفيلمه المقتبس عن سيرة جاك فيرجيس (محامي الرعب)، سيعود بجديده «أمنيزيا»، المقتبس عن سيرة والدته، بينما يعود الأوسترالي جورج ميلر، بعد ثلث قرن، بفيلم جديد من سلسلة «ماد ماكس». أما السينمائي المالي الكبير سليمان سيسي، الذي كان أول مخرج أفريقي نال جائزة في «كان» (جائزة لجنة التحكيم، عام 1987، عن فيلمه «الضوء»)، فسيقدم هذه السنة «بيتنا».
في العروض الخاصة خارج المسابقة أيضاً مفاجأتان: الأولى تتمثل في فيلم بعنوان «قصة عن الحب والظلمات» يحمل توقيع النجمة ناتالي بورتمان، في أولى تجاربها الإخراجية، بينما تأتي الثانية من صربيا، وتتمثل في «باناما» العمل الروائي الأول للمخرج بافل فوزكوفيتش.