بيروت التي تأخذنا إليها ديالا قشمر في «أرق» الحائز جائزة لجنة التحكيم في «مهرجان دبي السينمائي» (2013) هي تلك التي تعيش في مخيلة الذين يقيمون على هامشها في زواريب حي اللجا الذي يقع تماماً خلف شارع مار الياس، رغم أنّ الهوة بين المكانين شاسعة. حي اللجا هو بمثابة الحي الشبحي الذي يتجنبه أغلب سكان مار الياس لسمعته السيئة بسبب ما يسمونهم «زمرة زعران» أو قبضايات حي اللجا الذين يفتعلون دوماً المشاكل.


لكن هنالك نوع من التضخيم والمبالغة في توصيف الحي يبدو نابعاً من مكان آخر، هو طبقي على الأغلب. من يتوغّل في نسيجه حقاً، سيكتشف حياً شعبياً لا يختلف عن غيره سوى ــ للطرافة ــ أحد محال الحلويات المشهور بالصفوف هناك، وبالطبع بقبضاياته الذين تستكشفهم قشمر، مفكّكة حتى صورة القبضاي عن نفسه. اللعبة الأساسية والمثيرة للاهتمام في الفيلم هي الصراع على السلطة بين قشمر والقبضايات. في البداية، يرفضون الانصياع لسلطتها، فكيف بمن لا يعترف حتى بسلطة القانون، أن يتقبل سلطة مخرج وبالأخص امرأة ضمن هذا المحيط الذكوري كما يقولون ذلك بمفرداتهم في الفيلم؟ لكن المخرجة تنجح في إدخالهم في لعبتها وتقودهم بسلاسة نحو مساحة البوح الذاتي مستغلة بشكل إيجابي توقهم لأن يسمعوا ويروا. تستحيل عدسة الكاميرا نافذتهم إلى العالم الخارجي الذي يعيش فيه الأشخاص «الطبيعيون» بحسب تعبيرهم الذين لا يعدون أنفسهم بينهم.
هؤلاء الذي يعيشون في النهار ويعملون ثم يذهبون لشرب القهوة في أحد المقاهي ويجلسون متسمرين أمام حواسيبهم، كما يقول لها أحدهم ساخراً. أما كيف يمضي القبضايات أوقاتهم أو كيف مضت حياتهم حتى الآن؟ فعلى البقعة ذاتها من الرصيف، يجتمعون كل يوم في انتظار أن يحدث شيء ما أو ربما في انتظار الوقت نفسه، أو كما تصفهم المخرجة في العنوان البديل للفيلم بالإنكليزية بـ «حرّاس الوقت الضائع». الوقت أيضاً هو الأرق، ذلك الأرق الذي تحوّل إدماناً كما يفسر لها أحدهم سبب تورطه الدائم في المشاكل: «أنا بحب القلق». من خلال أسئلة المخرجة، يسقط تدريجاً قناع «القبضاي» المسيطر والمستقوي ليتبين لنا جانباً أكثر هشاشة. نلمس شعورهم الداخلي بالدونية، فهم ليسوا بغفلة عن نظرة المجتمع كما عندما تسألهم المخرجة أي نوع من الموسيقى يستمعون إليها، فيجيبها أحدهم: «يعني بالعربي المشبرح، منسمع نوري». وعن سؤالهم عن الحب، يقولون: «يعني مين يللي بدها تحبنا، يا بدها تهج، يا تروح سكتة قلبية». بدهشة أيضاً، نكتشف قدرتهم على التحليل الذاتي التي تقودهم إليه المخرجة: يتناقشون في ما بينهم عمن يقع اللوم في ما أصبحوا عليه، إلا أنّ أحدهم يصرخ منهياً الجدل بما معناه: «نحن الذين دمرنا أنفسنا». نقطة قوة الشريط هي بورتريه «القبضاي» النمطي الذي تنجح المخرجة في تفكيكه وترتكز إليها في سردها أكثر منها اللغة السينمائية المتفاوتة في درجة ابتكارها. لكن ذلك قد يخضع أيضاً لظروف التصوير ومشقاته التي اعترضت المخرجة في هذه المنطقة. يبقى أنّ هناك جانباً إنسانياً، تنجح قشمر في تحييده وإبراز جماليته خارج الهوية الطائفية أو السياسية للمكان أو قاطنيه. أمر تستحق الثناء عليه، ويبرز كضرورة في السينما الوثائقية اللبنانية اليوم.

* «أرق» بدءاً من الغد في «متروبوليس أمبير صوفيل» حتى 27 أيار (مايو) ــ عند الـ 4:00 عصراً والـ 7:00 والـ 9:00 مساءً ــ للاستعلام: 01/204080