باريس | في السنوات الأخيرة، أصبح مهرجان «فَلِنَخْطب» Déclamons الذي أسّسه الشاعر والأكاديمي دانيال ريو، بالتعاون مع بيت الشعر وكلّية الآداب في رين، محطّة أساسية للشعراء العرب المقيمين في أوروبا. نضج مشروع إقامة المهرجان في لبنان منذ عشرات السنين بعدما حلّ ريو مراراً على بيروت للمشاركة في فعاليات معرض الكتاب الفرنكوفوني وأنشطة أخرى. يقول لنا ريو: «منذ إقامته في رين عام 2009، كان مهرجان «فَلِنَخْطُب» يدرج جزءاً من الشعر العربي ضمن برمجته المكرّسة في المقام الأوّل للأشكال الغربيّة في الشعر المعاصر.

لكن أين يصلح اقتراح هذا المزيج أكثر من بيروت؟». بيروت، هذه المدينة، التي تجذبه «كمغناطيس منذ زمن طويل» تماماً كالمشرق. يقول لنا: «هنا في «جزيرة السلام» الصغيرة هذه (التي تبقى كذلك) المحاطة بالحرب، على الشعر أن يُلقى. إنّها تثبت أنّه لا يزال ممكناً إنقاذه». هكذا، وجد ريو فرصته في «بيت الكُتّاب الدولي» الذي أطلقه الكاتب والأكاديمي اللبناني شريف مجدلاني عام 2012. في هذه الدورة، ستحمل اللقاءات عنوان: «شعر وأداء» (12 شاعراً في المدينة) دافعةً بالشعر إلى الواجهة ضمن أمسيات اليوم وغداً في «مسرح الجميزة».

ستقام لقاءت أخرى في الجامعة اللبنانية في صيدا، والجامعة اليسوعيّة والجامعة الأميركية في بيروت، بالإضافة إلى المركز الثقافي الفرنسي في زحلة. وبما أنّ مهمّة «بيت الكُتّاب الدولي» هي الإبقاء على التنوّع والتعدّد في الجنسيّات واللغات، فإنّ هذا ما سمح بهذا اللقاء بينه وبين شبيهه في رين.
الشعراء الـ 12 المدعوّون إلى لبنان آتون من أصول متعددة: لبنانية كفوزي يمّين الذي ندين له بأطروحته حول شعر أنسي الحاج، واسكندر حبش الذي يغْني الوسط الشعري والأدبي بمقالاته وترجماته وكتاباته الشعريّة، والفيلسوف جاد حاتم الذي ألّف من بين إصدارات أخرى له، كتاباً عن شعر الضيف الكاتالوني كارل دوارتيه، وفلسطينية كهند شوفاني، وسورية كمحمّد فؤاد، وبريطانية كأندريا برادي، وستون ساثرلاند، وفرنسيّة كسيباستيان ليسبيناس، والشاعرة والمخرجة فلورانس بازاتو، وبيار بارلان، أوّل كاتب يُمنح الإقامة الشعريّة لدى «بيت الكُتّاب الدولي» وهو في بيروت منذ شهر آذار (مارس) حتى نهاية الشهر الحالي. يقول لنا شريف مجدلاني إنّ بارلان «يحضّر نصوصاً عن لبنان مثيرة جدّاً للاهتمام». وأخيراً هناك الشاعر ويليام كليف (بلجيكا) الذي منح أخيراً «جائزة غونكور للشعر»، ويعدّ أحد أكبر الشعراء المعاصرين في اللغة الفرنسيّة، تنشر له «دار غاليمار»، ونال عام 2007 الجائزة الكبرى للشعر من الأكاديميّة الفرنسيّة عن أعماله الكاملة. يعلّق مجدلاني: «إنها إضافة نوعية أن يكون معنا هذا الشاعر العظيم الذي يمثل جانباً آخر من جوانب الشعر المعاصر في اللغة الفرنسية». تأثر شعر ويليام كليف بالعصور الوسطى كما بطفولته المضطربة جراء سلوكيات الأب. غير أن شعره، وهو عاطفي، ولا يمتّ بصِلةٍ إلى الإنتاج الشعري المعاصر في زمن الأداء، لا يتنافى وفكرة الإلقاء الشفهي التي يسعى إليها الشعراء المدعوّون أجمعون. خطابة كليف هي بحدّ ذاتها ممارسة موسيقيّة، شفهيّة، في تناغم مثالي مع النغم الداخلي للشعر ولأبياته. عن هذه النقطة الأخيرة بالذات، يختم شريف مجدلاني قائلاً: «في الوقت الذي يرى فيه الرأي العام بأن الشعر في طور الانقراض، من المهمّ أن نلقي الضوء على هذه الشفهيّة الشعريّة، وأن تُلقى في بيروت».

* «شعر وأداء»: اليوم وغداً ـــ «مسرح الجميزة» (بيروت)