تعيد بيتي توتل تقديم عرضها الأخير «باسبور رقم ١٠٤٥٢» على «مسرح مونو» قبل انتقاله إلى طرابلس في السادس من حزيران في «مركز الصفدي الثقافي». تلك المسرحية التي عرضت لثلاثة أشهر في العام المنصرم (الأخبار 13/2/2014)، ما زالت تستقطب الجمهور والجاليات اللبنانية. يعود السبب على الأرجح لتلك التأشيرة التي يحلم بها معظم اللبنانيين لأنّها تعدهم بمستقبل أفضل. الحصول على جنسية أخرى والهجرة هما وجهان لهدفٍ واحد... عملة الشعور بالأمان والطمأنينة التي لا يجدها المرء في بلادنا.


موضوع العرض ليس جديداً ولا غريباً عن أي لبناني. في كل بيت، هناك من يحلم بالهجرة أو من يرضخ لتبعات هجرة إرادية أو تهجير قسري منذ مئات السنين. في «باسبور رقم ١٠٤٥٢»، انطلقت توتل من تفصيل صغير. لم تذهب إلى المقاربات الرنانة التي مل معظمنا منها. لجأت إلى تجربة شخصية وسؤال طفولي لابنتها التي عادت يوماً من مدرستها قائلة لأمها: «ربما أكون اللبنانية الوحيدة في الصف». من هذا السؤال، تنطلق المسرحية مع تغيير اسم البطل الذي تحوّل إلى عمر، طارحةً أرق أمٍّ يتحول تدريجاً إلى هوس بمنح ابنها جنسية أجنبية لتؤمن له مستقبلاً أفضل.
تزامن السؤال الذي صعق بيتي مع لقائها بجوزيف نخلة مدير «مهرجان العالم العربي» في مونتريال عام ٢٠١٣. طلب منها نخلة آنذاك تقديم عرض «الأربعا بنص الجمعة»، لكن تعذّر بسبب الكلفة العالية لنقل سبعة ممثلين بالإضافة إلى الفريق التقني. بعد أسبوع على هذا اللقاء، جاء سؤال الابنة البريء ليتحوّل إلى فكرة مسرحية تُعرض في مونتريال. وهكذا كان، عرضت المسرحية للمرة الأولى باللغة الفرنسية في مونتريال، ثم لبننتها توتل وعرضتها في أثينا ولبنان عام ٢٠١٤، فلاقت إقبالاً كبيراً من الجمهور اللبناني.


تتقاطع المشاهد مع
مقتطفات فيديو شكّلت شهادات حيّة لعدد من المهاجرين

على مدى ثمانية مشاهد، يتآكل الأم ذنب عدم منح ابنها جنسية بديلة، فتحاول بشتى الطرق إقناع زوجها اللامبالي (هاغوب ديرغاغوسيان) وإغراءه أحياناً بتقديم طلب الهجرة إلى مونتريال لإنقاذ ابنها الذي يعدّ من الأطفال «القلائل الذين لا ينعمون بجنسية أجنبية». إنها نعمةٌ اذاً. نعمةٌ تنقذ حامل الباسبور الإضافي من خطر الإصابة أو الموت في انفجار مفاجئ، أو الخطف أو حتى أبسط الأمور التي سيتطرق إليها العرض كاختيار اسم أي مولود جديد والبحث عن اسم لا يملك دلالة طائفية أو البحث عن اسم مركب يكون مناسباً في حال الهجرة والسفر: «أن تطلق اسماً على ابنك في لبنان يعتبر ثقلاً كبيراً. نحن نولد في بلد نحضر أنفسنا منذ اللحظة الأولى لسفر مرتقب».
من يشاهد تمارين بيتي توتل وهاغوب ديرغاغوسيان، نلحظ تلك الدينامية والخفة في الأداء. بيتي التي تجيد التقاط التفاصيل الصغيرة الجسدية والصوتية تحوّل موضوعها «التراجيدي» إلى كوميديا سوداء تبعث على الضحك والبكاء في آن. تتقاطع المشاهد مع مقتطفات فيديو شكّل معظمها شهادات حيّة لعدد من المهاجرين. في نص يخلط بين العربية والفرنسية، عرّجت توتل بتلميح ذكي على إشكاليات متعددة تنبثق من موضوع الهجرة كإشكالية الهوية المزدوجة أو العنصرية تجاه العرب والغربة الداخلية وكليشيهات المهاجر الـ «سنوب». بيتي كتبت نصها بناءً على جمع شهادات حقيقية لنساء حصلن على باسبور أجنبي وغاصت معهن في الدوافع والأسباب وتجربة السفر. أما انتقاء اسم عمر، فلا يعود إلى «اكزوتية» الاسم بقدر ما هو رغبة لم تتحقق لدى بيتي حين أرادت أن تطلق على مولودها الجديد اسم «عمر» ثم عدلت عن ذلك. تقاطع ذلك مع عمر آخر وهو أيضاً شخصية حقيقية تعيش في مونتريال كانت لها معاناتها الخاصة ولكننا لن نغوص أكثر في ذلك. علينا أن ننتظر نهاية العرض، ونرى.

* «باسبور رقم 10452»: 20:30 مساء اليوم وغداً ــ «مسرح مونو» (الأشرفية) ـ للاستعلام: 01/202422