بعد كمّ الأفواه الإعلامية اللبنانية، وتهديد الأصوات المعارضة بالويل والثبور، تواصل السعودية سياستها الإعلامية التي بدأتها منذ «عاصفة الحزم». هذه المرة، تدأب على تلميع صورتها وصورة سفيرها في لبنان علي عواض العسيري. وما ساعد على ذلك، هو حجّ بعض اللبنانيين الى السفارة السعودية لتقديم «واجب الولاء والامتنان» لما قدمته من «دعم للبنان مالياً ومعنوياً». أول من أمس، تحوّلت السفارة السعودية في بيروت إلى محجة.


لعب بعض الإعلام دوراً في المواكبة وإعطاء المساحة اللافتة في التغطية. وفود مناطقية لبنانية قدمت فروض الطاعة «لخادم الحرمين الشريفين» وللسعودية لاحتضانها «ربع مليون لبناني» و«وقوفها إلى جانب لبنان في السلم والحرب». إذاً، تحت عنوان «تضامناً مع المملكة»، حجّ هؤلاء وظهّرت صورة العسيري في الإعلام على أنه يريد مصلحة اللبنانيين ويحرص على العلاقة «الأخوية» بلبنان. في المشهدية كاملة، يخلص المتلقّي إلى أن جلّ اللبنانيين موالون للمملكة وأن ما صدر من انتقادات لها لا يعبّر عنهم.


تقرير عن وفود قدّمت «واجب الولاء والامتنان» للسفير السعودي

هذه المشهدية نفسها ظهّرها الإعلام السعودي المتمثل في قناة «العربية» التي مارست الخداع مجدداً وأوهمت المشاهدين بأن تقريرها (إعداد نسرين حاطوم) الإخباري تحت عنوان «أهل لبنان في السعودية: شكراً.. عذراً.. وكفى» يحكي باسم اللبنانيين جميعاً. وفي الواقع وكما تبين من التقرير، فإنّ وفداً من «مجلس العمل والاستثمار» في السعودية قام بهذه الحملة وجال على المسؤولين اللبنانيين للترويج لها. ويبقى السؤال: هل يحق للقناة السعودية تعميم هذا الموقف على مجمل اللبنانيين وممارسة لعبة الخداع هذه؟ التقرير أيضاً ضمّ نشرة اقتصادية تعزف السمفونية نفسها في قضية مصالح لبنان في السعودية. وفق المعدّة، فإنّ ما يقارب نصف مليون لبناني ينتشرون في الخليج، وخصوصاً في المملكة، ومصالحهم اليوم مهددة بفعل «تصريحات غير مسؤولة تصدر عن فريق لبناني معين». ويخاف هؤلاء (تبعاً للتقرير) من «خسارة التعاطف العربي الذي بنته الجالية اللبنانية لعقود». وبعد تعداد الاستثمارات السعودية في لبنان، دخلت حاطوم من باب المنّة مجدداً، ذاكرةً الهبات والقروض السعودية للجيش اللبناني.
الى جانب هذا التضليل والخداع والتلويح بورقة «مصالح اللبنانيين في الخليج» وضرورة تقديم فروض الطاعة للمملكة، عمدت «العربية» الاثنين الماضي إلى تطييف هؤلاء اللبنانيين، فكان عنوان فاقع هذه المرة أيضاً: «شيعة الخليج في صميم أهل الخليج». فقرة استضاف فيها المذيع السعودي خالد مدخلي عضو الشورى السعودي محمد رضا نصر الله للتحدث عن كيفية «نزع ورقة استقطاب إيران للشيعة في الخليج». وفق نصر الله، فإنّ هؤلاء الشيعة «القلائل» تأثروا بالثورة الإسلامية في إيران، لكن أكثريتهم «اختارت العروبة»، بما أنهم «عرب أقحاح في الأصل» كما يقول. واختار مثالاً هنا البحرين حيث «أهله يوالون النظام لأنّه عربي»!