أطلقت اليسا نشيد «موطني» (1934 ـ للشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان والملحن اللبناني محمد فليفل) بالاشتراك مع تطبيق «أنغامي» أول من أمس. ترافق الإطلاق مع «موجةٍ» من الانتقادات طاولت النجمة لتحويلها القصيدة الشهيرة التي ما زال الفلسطينيون يعتبرونها نشيدهم إلى «أغنية عاطفية»، فضلاً عن طريقتها الخاطئة في لفظ حرف الطاء (تلفظه بتخفيفٍ شديد، فظهرت كلمة «موطني» كما لو أنها «موتني»).


تضاف إلى ذلك “الصورة” المستفزة لفكرة “الأغنية” التي استعملت “كغلاف” لها (سواء على أنغامي أو اليوتيوب)، إذ بدا أن مصممها لا يفهم “طبيعة” المغناة التي كانت يوماً نشيداً رسمياً لفلسطين قبل أن تصير نشيد العراق الرسمي حتى اليوم.
لا أحد ينكر أنَّ إليسا تمتلك صوتاً مختلفاً، فضلاً عن ذكاءٍ فني مكنّها من تبؤ مكانٍ شبه ثابت على الساحة الفنية العربية، حتى أن الأمر وصل بإحدى القنوات إلى جعلها “حكماً” في مسابقات اختيار أصوات الهواة. إذاً باختصار، تمتلك اليسا نوعاً من حيثية “فنية” تجعلها قادرةً على “الغناء” على الأقل. لكن ما بدا من خلال تأدية «موطني» كان غير ذلك. أخطاء الهواة التي وقعت فيها بدت أكثر من القدرة على الاحتمال. استهلت “الأغنية” بمقدمةٍ موسيقية على البيانو، لتفتتحها بنطقها الخاطئ لكلمة “موطني”. هذا الخطأ الكبير يقودنا إلى سؤال: أليس هناك مدرب صوتي (أو مدرب للنطق) تتعامل معه حتى ينبهها إلى أنّ حرف الطاء لا يلفظ هكذا؟


أرادت أن تحظى بحفاوة
القنوات الخليجية

بعد ذلك، بدت «ملكة الإحساس» ــ وفق ما تسمّى ـ «حساسةً» أكثر مما يجب. أخذت “تمد” و”تعرّب” مع استخدام خلفية موسيقية أقرب إلى الأغاني العاطفية التي تشتهر بها في مغناةٍ تحتاج إلى “الرصانة” أكثر من «العواطف» الجياشة. في الدقيقة 1:59، أعادت إليسا التي يبدو أنها تعاني مع الحرف “طاء” مشكلة كبيرة الخطأ مرةً أخرى، لتعود بعد ذلك “مداً” طويلاً معاداً مع حرف الـ “ياء” (خصوصاً مع كلمة “لا نريد”) على طريقتها نفسها في أكثر من أغنية قدمتها قبلاً. في الدقيقة 3:12، بدا أنها تحاول إعادة الأغنية إلى نبضها السابق (الطبيعي والمعروف) من خلال استعمال “كورس” رجولي ذي صوتٍ قوي، حتى إنَّ طبيعة الموسيقى تغيرت منذ تلك اللحظة. لكن يبدو أنّ أحداً لم يخبرها بذلك (أو على الأقل هي أرادت ألا تعرف) فبقيت تؤدي بطريقتها الأولى نفسها (المعتادة من قبلها)، كما لو أنّ “الكورس” ليس له أي دور (دون نسيان الدقيقة 3:52 حين أغرقت الأغنية في جوٍ “متعب” من الرومانسية الزائدة). أما في الدقيقة 4:12، حين تنطق الكلمة المفتاحية “قاهراً عداك” التي اعتبرها إبراهيم طوقان “بوابة الانتصار وفاتحته”، بدا أن “قهر العداء” سيكون عبر “ضربهم بالوسادات” لا قتالهم بالرصاص. من يتابع القنوات الخليجية هذه الأيام، أمكنه ملاحظة استعمالها لأغنيات قومية وعروبية («الوطن الأكبر» مثالاً) وعرضها مراراً ضمن البروباغندا الداعمة للعدوان السعودي على اليمن. ويبدو أن إليسا قررت “ركوب الموجة”، فأغنيةٌ من هذا النوع ستسهم في “دفعها” إلى الواجهة، خصوصاً مع “دعاة العروبة” المحدثين في الفضائيات الخليجية الذين يريدون مواجهة ما يسمونه «الخطر الفارسي»! من هنا لا يعود غريباً أنّ فنانة اتخذت موقفاً يندى له الجبين في تفجير الرويس الإرهابي (الأخبار 19/8/2013) وتؤيد القوات اللبنانية ذات الفكر «المضاد للعروبة» وطبعاً للفلسطينيين، تركب الموجة، وتؤدي إحدى أكثر الأغاني «عروبةً» عبر الأزمنة!




أحلام الشباب الثائر

أحلام الشباب الثائر كتب ابن مدينة نابلس الشاعر إبراهيم طوقان قصيدة “موطني” أثناء دراسته في «الجامعة الأميركية في بيروت (يقال في عام 1934 ويقال 1936) ولحنها الأخوان فليفل (يقال إن محمد فليفل وحده لحنها) حينما تعرفا عليه في منزل الشاعر عبد الرحيم قليلات. حققت تلك الأغنية لهما شهرة كبيرة (بحسب كتاب «اللحن الثائر: سيرة الأخوين فليفل» لمحمد كريّم وجورج حرّو). أتت القصيدة (كما الأغنية) لتعبّر عن أحلام الشباب العربي وروح التحدي والتحرر وتأثرهم الكبير بما حدث خلال ثورة البراق (1929) ومشاهدتهم بأم العين ثورة 1936 وطريقة تعامل السلطات البريطانية المحتلة معها.