قبل أسبوع غرقت سفينة قبالة السواحل الليبية، تحمل مئات اللاجئين من بينهم عدد كبير من السوريين. سرعان ما علا صوت المفوضية العليا للاجئين، معتبرةً غرق السفينة الكارثة الأسوأ في سجل أزمة المهاجرين غير الشرعيين. مع ذلك انتشرت تعليقات فايسبوكية صفيقة لدى بعض السوريين أمثال الصحافي بسام القاضي الذي علق بشماتة وقحة على هذه الحادثة المفجعة، فيما احتلت المشاعر المتضامنة المساحة الأوسع من النقاش.


حتى أنّ لاجئاً سورياً شاباً في ألمانيا يدعى هوشيار يوسف كتب على فايسبوك رسالة مؤثرة إلى أهله. تخيل الشاب أنه كان على متن المركب وقرر كتابة كلماته الأخيرة متوجهاً إلى عائلته في حال العثور على جثته.
وجاء فيها: «أنا آسف يا أمي لأن السفينة غرقت بنا ولم أستطع الوصول إلى هناك (...) كل أحلامي كانت بحجم علبة دواء للقولون لك، وثمن تصليح أسنانك. بالمناسبة لون أسناني الآن أخضر بسبب الطحالب العالقة فيه.
أنا آسف يا حبيبتي لأنني بنيت لك بيتاً من الوهم، كوخاً فقيراً بعيداً عن البراميل المتفجرة (...) أنا آسف يا أخي لأنني لن أستطيع إرسال الخمسين يورو التي وعدتك بإرسالها.
أنا آسف يا أختي لأنني لن أرسل لك الهاتف الحديث، اطمئني يا دائرة اللجوء، فأنا لن أكون حملاً ثقيلاً عليك. شكراً لك أيها البحر الذي استقبلتنا بدون فيزا ولا جواز سفر، شكراً للأسماك التي ستتقاسم لحمي ولن تسألني عن ديني ولا انتمائي السياسي (...)».


هوشيار يوسف
استوحى الرسالة من
تجربته المريرة

حتى الآن تبدو الأمور طبيعية إلى أن حدثت المفاجأة. نسخت إحدى المجموعات على فايسبوك الرسالة وصاغتها بطريقة «مشوقة»، معلّقة بأنّه عُثر عليها في جيب أحد الشبان السوريين الذين انتُشلت جثثهم من البحر في الكارثة. وسرعان ما كبرت كرة الثلج، فوصلت إلى صفحات ناشطين يُعرفون بالنضال ويتمتعون بثقة مطلقة عند متابعيهم (!)، ثم مراكز مختصة في توثيق الأخبار السورية وآلاف الصفحات التواصلية. لم يقتصر الأمر على ذلك، ها هو موقع «إذاعة مونت كارلو» ينشر الخبر حرفياً، لتتهافت عليه «وكالة الأناضول للأنباء». الأخيرة لم تكتف بمطب أخلاقي واحد، بل شرحت ما قصده الشاب في عباراته ووضعتها بين أقواس كأنها كانت معه على متن القارب، وهذا ما فعلته مواقع عدة حتى أنّ إذاعة تُدعى «ألوان» سجّلت الرسالة بصوت متصنع وبثتها لمستمعيها.
في اتصال مع «الأخبار»، يشرح هوشيار يوسف: «لأنني هاجرت بطريقة غير شرعية، شعرت بحال هؤلاء الغرقى. قررت أن أكتب بلسان حالهم. لذا تخيّلت نفسي على المركب وتوجهت إلى عائلتي وكتبت معلومات حقيقية بلغة عفوية رغبة مني في التعبير عما اعتراني من حزن. لكنني فوجئت بمجموعة على فايسبوك تنسخ الرسالة وتعنونها «رسالة من شاب سوري غرق في قاع البحر» ثم تنسبها إلى قصة تدّعي أنها حقيقية. ولدى تنبيه إدارة المجموعة، قوبلت بالحظر. جربت إيقاف الأمر بكتابة تعليق ثان لكنني لم أنجح حتى أنني قوبلت بالسخرية من بعضهم عندما حاولت إيضاح الموقف». كأن السوريين تنقصهم المؤثرات المفبركة حتى تكتمل حالة الحزن على كوارثهم المتلاحقة.
مؤثرات تبتدعها وسائل إعلامية أسهمت في اتساع رقعة الحرائق ولا تزال تستخفّ بعقول متابعيها.