يبدو «مهرجان كان السينمائي الدولي» (13 ــــ 24 أيار/ مايو) مواكباً لصيرورة الكوكب، ساعياً إلى التوفيق بين المكرّسين والدماء الجديدة، حريصاً على الوفاء لصدارته السينمائية وسط المهرجانات والسينيفيليين. أسئلة الهوية والعنف والوجود ومختلف صنوف الأفلمة والتجريب تتألّق كالعادة. 90% من برنامج الدورة الـ 68 من الـ «كروازيت»، أعلنها الرئيس الجديد للمهرجان بيار لسكور الذي خلف جيل جاكوب، ومديره الفني تيري فريمو صباح الخميس الماضي.


كُشف عن 17 فيلماً في المسابقة الرسمية، و14 شريطاً في قسم «نظرة ما»، إضافةً إلى بعض عناوين «أسبوع النقاد» و«نصف شهر المخرجين» و«خارج المسابقة» و«العروض الخاصة» ناني و«عروض منتصف الليل». البقية ستنضم تباعاً، بما في ذلك ثلاثة أو أربعة أفلام في المسابقة الرسمية. ما زال هناك متّسع لأفلام من بريطانيا ودول أميركا اللاتينية التي تحرص على الحضور عادةً. شريط الأرجنيتني غاسبر نو «حب» قد يكون من إضافات اللحظة الأخيرة.
8 أسماء جديدة تنافس على الكاميرا الذهبيّة، وتزاحم المكرّسين في مختلف الأقسام. هذه عصارة 1854 فيلماً أرسلت إلى الحدث الكبير. فريمو فضّل عدم الكشف عن فيلم الختام رغم اختياره. كذلك، لم نعرف بعد من سيفتتح قسم «نظرة ما». «هذه إحدى نتائج سينما الديجتال» يؤكّد فريمو، ليضيف أنّ الأفلام باتت تصوّر وتنجز بسرعة في هذا العصر. كالعادة، يعطي «كان» ملمحاً عن الروح العامّة التي تحوم في كوكب السينما. يشرح فريمو أنّ الأفلام هي التي تختار المهرجان، لا العكس. طبيعتها تصبغ لون «كان»، وترجّح كفّة السياسي أو الرومانسي. الأخوان إيثان وجويل كوين أمام مهمّة ثقيلة في رئاسة لجنة التحكيم. أوّل مرّة في تاريخ المهرجان، تحوز رئاسة اللجنة صوتين من أصل تسعة. أعمالهما تقول إنّهما قد يميلان إلى المفاجئ والمغاير والساخر، وخصوصاً أنّهما صاحبا «السعفة الذهب» عن «بارتون فينك» (1991)، ولكن لا مجال للافتراضات المؤكّدة حتى لحظة الترحيب بالفائزين. في الحضور النسائي، لدينا أربع مخرجات تحظى فرنسيتان منهما بشرف المنافسة. مايوان (جائزة لجنة تحكيم عن «بوليس 2011) في «ملكي» مع قصة حب مدمّرة يلعب فنسان كاسيل أحد طرفيها، وفاليري دونزيللي في «مارغريت وجوليان»، عن سيناريو جان غرولت الذي كتبه لتروفو. إيمانويل بيركو تفتتح المهرجان بـ «الرأس المرفوع» (خارج المسابقة)، في حدث لم يتكرّر منذ «رجل مغروم» لدايان كوريز الذي افتتح دورة 1987. بيركو تقترح دراما اجتماعية عن التربية والتعليم. كاترين دونوف تؤدي دور قاضية تحاول إنقاذ فتى صغير من الانزلاق إلى مهاوي العنف. أسئلة باتت تطرح كثيراً في فرنسا بعد فاجعة صحيفة «شارلي إيبدو». من المؤكّد أنّ هذا أحد أسباب اختيار الشريط. «العروض الخاصة» تتضمّن «قصة عن الحب والظلام» للاسرائيلية ناتالي بورتمان، التي تنافس بقوّة على الكاميرا الذهبية في باكورتها كمخرجة. شريط أوتوبيوغرافي عن مذكّرات الصهيوني عاموس عوز، أثناء نشأته في القدس خلال أربعينات وخمسينات القرن الماضي. بورتمان تؤدي دور أمّه أيضاً. هكذا، يحاول المهرجان الرد على الانتقادات الحادّة حول ضعف الحضور النسائي في برنامجه. يلحظ أيضاً ندوات وحوارات بعنوان «النساء في السينما» لإبراز دور المرأة المؤثّر في تاريخ هذا الفن. فرنسا تنافس على السعفة بفيلمين آخرين: Erran لجاك أوديار (جائزة لجنة التحكيم الكبرى 2009 وأفضل سيناريو 1996) عن اللاجئين في باريس، و«رجل بسيط» لستيفان بريزي الذي ينافس للمرّة الأولى، في ثالث تعاون مع الممثّل فنسان ليندون. رجل خمسيني يواجه معضلة أخلاقية عندما يبدأ العمل كحارس أمن في سوبر ماركت. إذاً، هذه سنة مزدهرة في السينما الفرنسية. فريمو اضطرّ لرفض فيلم آرنو ديبليشان «ثلاث ذكريات في شبابي» بسبب وفرة الإنتاجات الجيّدة.
كثير من الإيطاليين سيمشون على السجادة الحمراء. ماتيو غاروني يقتبس غامباتستا باسيلي في «حكاية الحكايات» (ضمن المسابقة) لصنع ملحمة كابوسية من القرن السابع عشر، بأداء سلمى حايك وفنسنت كاسيل وجون سي. رايلي. صاحب جائزتي لجنة التحكيم الكبرى عن «غومورا» (2008) و«واقع» (2012) حصان قويّ هذا العام. باولو سورنتينو يسعى إلى السعفة للمرّة السادسة في «شباب» الذي يلي تحفته الأوسكارية «الجمال العظيم» (2013). نحن بصدد مايسترو يتلقّى دعوة لقيادة أوركسترا أمام الملكة إليزابيث الثانية والأمير فيليب. الإيطالي الثالث هو ناني موريتي. في «أمي»، تؤدي مارغريتا باي (ثالث تعاون بينهما) دور مخرجة تواجه كوارث خلف الكواليس، بحضور جون تورتور. موريتي اسم كبير في الكروازيت، بسعفة عن «غرفة الابن» (2001) وخمس مشاركات سابقة. أفلام الجنسيات غير الإنكليزية الناطقة بهذه اللغة، لم تلقَ ترحيباً حاراً من المهرجان. تيري فريمو أبدى تحفظه على ليّ عنق الشخصيات الأصيلة حتى تتحدّث بالإنكليزية، مشدداً على تفضيل العناصر الفنية على الحسابات التجارية. رفض كثير من هذه الأفلام، لا ينطبق على كبار مثل سورنتينو وغاروني بالتأكيد. لدينا أميركيان مخضرمان. غاس فان سانت (سعفة وأفضل إخراج عن «فيل» 2003) يعود في «بحر الأشجار». ماثيو ماكونهي وكين واتانابي يلتقيان مصادفةً في «غابة الانتحار» اليابانية.


وودي آلن يعرض لعلاقة
مظلمة بين بروفسور فلسفة وإحدى طالباته
تود هاينز يرجع إلى نيويورك الخمسينات في «كارول»، لكشف قصة حب بين امرأتين تلعبهما كل من كايت بلانشيت وروني مارا. من آسيا، يصل ثلاثة كبار: التايواني هاو ساو سيين ينافس للمرّة السابعة في «القاتل»، والصيني جيا زانغكي (أفضل سيناريو عن «لمسة الخطيئة» 2013) في «الجبال قد تتباعد»، والياباني هيروكازو كوري ايدا في «أختنا الصغيرة». الهنغاري لازلو نيمس وافد جديد على المسابقة. باكورته «ابن سول» تدخل معتقل أوشفيتز الرهيب، حين يحاول سجين إنقاذ جثة طفل من الحرق. نيمس هو ابن المخرج المعروف أرندس جيليس، ومساعد بيلا تار لفترة طويلة. الفلتة الكندي غزير الإنتاج دنيس فولينوف (صاحب «حرائق» و«سجناء» و«عدو») يقتحم عالم المخدرات المكسيكي، مع بينيثيو ديل تورو وإيميلي بلنت في «سيكاريو». اليوناني الشهير يورغوس لنتيموس يقترح جديده «سرطان البحر». دراما تدور في المستقبل، حين يجبر الوحيدون على إيجاد شريك خلال 45 يوماً. الأسترالي جاستن كوزيل يتبنّى اقتباساً جديداً لـ «ماكبث» شكسبير، مع مايكل فاسبندر وماريون كوتيار التي يصعب تخيّل «كان» من دونها. في «أكثر ضجيجاً من القنابل»، ينقب النرويجي واكيم ترير (صاحب «أوسلو، 31 آب») في أسرار مصوّرة حربيّة بعد ثلاث سنوات من وفاتها.
«نظرة ما» يحتضن الدول والأفلام التي لم تتمكّن من الوصول إلى مرتبة المسابقة. إنتاجات من الهند والمكسيك وكوريا الجنوبية وإيران ورومانيا وآيسلندا، تنوس بين السياسي والاجتماعي، وبين الروائي والوثائقي. بالحديث عن هذا «الجنر»، نذكر البيوغرافي «إيمي» لآصف كاباديا عن المغنيّة الراحلة إيمي واينهاوس (عروض منتصف الليل). خارج المسابقة هو المكان المفضّل لاستوديوهات هوليوود. ما زال وودي آلن يرفض المشاركة في المنافسات الرسمية. جديد المعلّم الأميركي «رجل غير عقلاني» يعرض لعلاقة مظلمة بين بروفسور فلسفة (خواكين فينكس) وإحدى طالباته (إيما ستون). كذلك، يحضر العرض الأول للجزء الجديد من سلسلة الأكشن «ماد ماكس» لجورج ميلر، مع توم هاردي وتشارليز ثيرون. في الأجواء أيضاً، إعلان تيري فريمو عن إطلاق حملة للحد من ظاهرة السيلفي على السجادة الحمراء. «إنّها سخيفة وبشعة» يصف هذه العادة الجديدة.




أين النساء؟

مساء 13 أيار (مايو)، يفتتح «الرأس المرفوع» للفرنسية ايمانويل بيركو «مهرجان كان». يسجّل الفيلم المرة الثانية التي يفتتح فيها المهرجان العريق بعمل من توقيع امرأة، بعد الإفتتاح الاول عام 1987، بـ «رجل عاشق» للفرنسية ديان كوريس. برغم مشاركة 15 مخرجة الدورة الماضية إلا أن الحدث السنوي لم يسلم من إنتقادات الجمعيات النسوية، بسبب «سيطرة أسماء الذكور على معظم أعمال وجوائز المهرجان». هذه السنة يطلق المهرجان النسخة الأولى من برنامج Women In Motion للاحتفاء بالعنصر النسائي في السينما.