بغداد | قبل أيّام كان هناك- بين كتّاب وصحافيّين- نقاش مُحتدم وتساؤل مخيف عن ممكنات التعويض ومواصلة مسيرة الأسماء الكبيرة، إذا ما استمرّت الخسارات، حيث لا مفرّ من مصيدة الموت ولا مناص من غياب الروّاد بين حين وآخر. اليوم، ومع رحيل الفنّان خليل شوقي (1924- 2015)، يزداد معنى السؤال قتامة، إذ تغيب مع هذا الرائد الفنيّ الكبير في اجتهاده وسيرته، صورة من صور العراق الخلاق، حينما لم يكن في حياتنا كلّ هذا الدم الذي يسيل الآن.

غادر الحياة أمس الجمعة في أحد مستشفيات هولندا التي وصلها مع عائلته قبل أقل من ثلاثة عقود تقريباً، تاركاً تجربة فنيّة ستظلّ متفرّدة في تاريخ الثقافة والفنّ العراقيين، منذ دخوله معهد الفنون الجميلة ببغداد التي ولد فيها (قسم التمثيل)، ليتخرّج منه العام 1954، فمثلما نجح في التمثيل ما بين السينما والمسرح وتأسيس مبادرات وجماعات مسرحيّة، فإنّه برز كاتباً ومخرجاً في مجال الدراما. ومن بين أشهر الأفلام التي مثّل فيها: "من المسؤول؟" 1956، و"أبو هيلة" 1962، و"الظامئون" 1972، و"يوم آخر" 1979، و"العاشق"، و"شيء من القوّة". في حين من بين المسرحيات التي أسهم فيها: "النخلة والجيران"، و"بغداد الأزل بين الجد والهزل"، و"الإنسان الطيب"، و"خيط البريسم"، وكان ياما كان"، و"السيّد والعبد"، و"الينبوع". كما إنّ له تجربة وحيدة في الإخراج السينمائي عبر فيلم "الحارس" 1967.

ذاكرة العراقيّين تحتفظ له بأدوار متميّزة في أكثر من عمل دراميّ أبرزها أحد أهمّ الأعمال في تاريخ الدراما العراقيّة، وهو "النسر وعيون المدينة" (إنتاج العام 1983 وتأليف عادل كاظم وإخراج إبراهيم عبدالجليل، إكمالاً للجزء الأوّل "الذئب وعيون المدينة")، حيث الدور الذي برع فيه باقتدار عالٍ، شخصية "عبدالقادر بيك"، قبالة اسم رائد وخلاق آخر هو بدري حسون فريد الذي مثّل شخصية غريمه "اسماعيل الجلبي"، وبينهما "حسنية خاتون" (الفنّانة الراحلة مي جمال)، في تجسيد جذاب لصراع بين شخصيتين أرستقراطيتين، بينهما ماضٍ تحييه عودة الجلبي إلى محلة بغداديّة خمسينيات القرن الماضي.
خليل شوقي منتمٍ إلى ألق صورة بغداد وترفها وهدوئها الذي يصارع الآن كراهيات شتّى. ربّما آخر تكريم حصل عليه الراحل هو في مهرجان الخليج دورة العام 2010 بدبي، يومها قدّم المخرج العراقيّ قتيبة الجنابي فيلمه "خليل شوقي- الرجل الذي لا يعرف السكون".
المفارقة إنّ فضائية العراقية شبه الرسميّة، كانت قد بثّت العام 2009 ضمن برنامج "سهرة عراقيّة" ما عنونته حينها بـ "حلقة خاصّة عن الفنان الراحل خليل شوقي"، عندها انشغل صحافيون وإعلاميون بالتحقّق من الخبر المفجع، لكن تبيّن فيما بعد أنّ القائمين على البرنامج كانوا يتصوّرون انّه قد رحل منذ زمن لغيابه عن الساحة العراقيّة داخليّاً!
هذه المرّة، لم يكن موته إشاعة أو سوء تدبّر أو قلّة معرفة من إعلامي أو معد برنامج، رحل شوقي فعلاً ورحلت معه بورتريهات إبداع نادر سنتحسّر عليه كثيراً.