القاهرة | تماماً كما حقق ذلك الفتى النحيل الأسمر ثورة في عالم الغناء، فعلها أيضاً في عالم السينما، فكان من أهم المطربين الذين حققوا نجومية وشعبية طاغية في هوليوود الشرق. ذلك المثابر الذي ــ رغم اليتم والفقر ــ لم يكن يملك من أمره سوى الحلم. آمن فيه ووثق بكل خطوة يخطوها. ولأنه كان يدرك أن عمره قصير جداً، اهتم بالسينما والإذاعة وقدم عدداً من الأفلام ليخلد ليس بصوته فحسب، بل بصورته أيضاً. أسس شركة إنتاج سينمائية مع المصور المبدع وحيد فريد وموسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب.


ولم يكتف حليم بإنتاج أفلام لنفسه فقط من خلال شركته، بل أنتج أفلاماً لنجوم آخرين منهم سعاد حسني («حسن ونعيمة»، و«جناب السفير»)، وهند رستم (الراهبة)، ووردة (حكايتي مع الزمان)... حتى أن حليم كان المطرب الذي قدم أول فيلم سكوب وبالألوان في تاريخ السينما المصرية وهو «دليلة» (1956).
حليم الذي شكّل ثورة غنائية وصار صوتاً لــ «ثورة يوليو» ولزعيمها جمال عبد الناصر، دخل عالم السينما من بوابة الرومانسية. ورغم أنه لم يكن صاحب موهبة تمثيلية قوية، إذ كان هناك مطربون آخرون يتفوقون عليه في الأداء التمثيلي مثل محمد فوزي، إلا أنه حقق شعبية طاغية. لقد كان يدرك تماماً، بذكائه المعهود، أنه يجب أن يكون محاطاً في أفلامه بكوكبة من النجوم، سواء نجوم جيله أو «كوميديانات» ذلك العصر، كزينات صدقي وعبد السلام النابلسي وعبدالمنعم ابراهيم ومحمد رضا وفؤاد المهندس، أو الممثلين أصحاب الموهبة الثقيلة ومنهم محمود المليجي وفردوس محمد وحسين رياض. حليم واحد من أهم نجوم الغناء في تاريخ السينما المصرية والعربية. يكمن سر جاذبية سينما حليم في أنّ الكثير من أفلامه كانت تحمل بعضاً مما عاناه في حياته ورحلته الصعبة التي بدأت من الحلوات قريته في محافظة الشرقية وسط الدلتا في مصر، إلى أن صار من أهم النجوم في تاريخ الفن العربي. في شهادته عن سينما حليم، يؤكد المؤرخ والناقد الراحل فرج العنتري أن أفلام «العندليب الأسمر» كانت تتطابق في كثير منها مع حياته وظروفه ومعاناته. لقد جسد مثلاً تجربته الشخصية التي عاشها في الحب والفقر والمرض في فيلم «حكاية حب» (1959) مع المخرج حلمي حليم. وبدا صادقاً في أدائه حتى توحد مع أفلامه وصار معها شيئاً واحداً.


شادية تحتل المرتبة الأولى في قائمة الفنانات اللواتي مثّلن معه
ويضيف العنتري: «لا شك في أن سبب استمرار نجاح أفلامه هو السبب نفسه في استمرار عبد الحليم كصوت وهو أنه كان يمثل «نغمة جديدة» تختلف عما يقدمه المطربون في عصره، وقد قوبل ما يقدمه في البداية بالهجوم والرفض، إلى أن تصدر المشهد الفني وأثبت جرأته وذكاءه وأنه كان سابقاً لعصره على مستوى الكلمة واللحن والصورة التي يقدمها». أما المخرج الراحل كمال الشيخ، فقال في شهادته عن سينما حليم: «أن أفلامه عاشت في وجدان الناس كما عاشت أغانيه». كان حليم يدرك بذكائه الفطري أهمية الصورة، فلم تكن الكاميرا تفارقه في رحلاته سواء داخل مصر أو خارجها، حيث كان يصطحب معه مصوره الخاص الراحل فاروق إبراهيم أو كاميراته الشخصية. وهو ما انعكس على اهتمام حليم بصورته في السينما التي كان يقدمها مع البطلة التي تقف أمامه، فحتى لو كان بسيطاً فقيراً، إلا انه عادة ما يكون متأنقاً لأنه لم ينس لحظة نجوميته التي يؤرخ لها من خلال السينما، شاهده مثلاً في دور منعم الشاب البسيط في فيلم «شارع الحب»، أو علي الطالب في كلية الزراعة في «أيامنا الحلوة».
رغم أن حليم وقف أمام جميلات السينما المصرية في أفلامه، كإيمان ومريم فخر الدين وماجدة وفاتن حمامة، إلا أن النجمة الكبيرة شادية تحتل المرتبة الأولى في قائمة الفنانات اللواتي مثّلن مع العندليب. استطاعت أن تجسد ببراعة شخصية مختلفة تماماً في كل من الأفلام الثلاثة التي أدتها معه: «لحن الوفاء» (1955)، و«دليلة» (1956)، و«معبودة الجماهير» (1967)، كما استطاعت بخفة دمها أن تقدم تجربة مميزة معه.
وفي عام 1955، شاركت فاتن حمامة للمرّة الأولى البطولة مع عبد الحليم حافظ في فيلم «أيامنا الحلوة»، لكن وجود عمر الشريف وكاريزماه، إضافة إلى أحمد رمزي أخذا كثيراً من رصيد حليم التمثيلي، لذلك لم يتنازل عن مشاركته فاتن حمامة بطولة فيلم آخر يقف أمامها بمفرده وهو «موعد غرام» (1956). في الشريط الذي حقق نجاحاً كبيراً حينها، تعاطف الجمهور مع قصة نوال وسمير، تلك الصحافية التي تقوم بحل المشاكل العاطفية ويقع في غرامها سمير المطرب الشاب قبل أن تمرض وتصبح مقعدة وتحاول ابعاد سمير عنها بكل الطرق.
كانت للفنانة والمطربة صباح تجربة واحدة مع عبد الحليم عام 1958، في فيلم «شارع الحبّ» (إخراج عز الدين ذو الفقار ــ تأليف يوسف السباعي). حقّق الشريط نجاحاً متوقعاً لأنه جمع نجمين في عمل متكامل، مزج الكوميديا بالرومانسية، لتكون تلك خلطة سحرية أخرى في تاريخ عبد الحليم حافظ السينمائي. وتألّقت مريم فخر الدين في فيلم «حكاية حب» (تأليف وإخراج حلمي حليم) عام 1959، أمام الفتى الأسمر، في دور «نادية» الذي شكّل أحد أهم أدوارها في مسيرتها. وقد غنّى عبد الحليم في هذا الفيلم أغنيات لا يمكن أن تنسى منها: «بحلم بيك أنا بحلم بيك»، و«بتلوموني ليه».
كما شاركت نادية لطفي مرتين مع عبد الحليم في «الخطايا» (1962) و«أبي فوق الشجرة» (1969)، الذي كان آخر أفلامه. الدوران كانا مختلفين تماماً، ففي الأوّل كانت حبيبته التي يريد والده تزويجها من أخيه، وفي الثاني كانت المرأة اللعوب التي تحاول الإيقاع بالعندليب وإبعاده عن حبيبته ميرفت أمين.
كانت ملامح زبيدة ثروت الهادئة وعيونها الجميلة سبباً في اختيارها لتأدية دور «نادية» أمام عبد الحليم حافظ في فيلم «يوم من عمري» (إخراج عاطف سالم عام 1961). لكنّ موهبتها فقط هي التي جعلتها تتألق أمام العندليب، فغنّى لها «ضحك ولعب وجدّ وحبّ»، وحقّق معها نجاحاً باهراً في هذا العمل.
أما «الوسادة الخالية» (1957) الذي يعتبر من أنجح وأشهر أفلام السينما العربية، فقد أدت بطولته النجمة لبنى عبد العزيز في دور «سميحة»، صاحبة العيون الناعسة التي جعلت الحب يدقّ لأوّل مرة في قلب صلاح بطل العمل وصارت الجملة الشهيرة في الفيلم: «اقفل انت اقفلي انتي الأول» من أشهر الجمل المتداولة بين الأحبة، كما غنى لها أغنيته الشهيرة «أوّل مرة تحبّ يا قلبي». العمل الذي حقّق نجاحاً كبيراً، أخرجه صلاح أبوسيف عن قصة لإحسان عبد القدوس. بالفعل تحقق لحليم ما كان يريد وصارت أفلامه من الكلاسيكيات الرومانسية وحفظت أيضاً جزءاً كبيراً من تراثه ومشواره.