القاهرة | كانت مجرد مصادفة، لأن أذواق الجمهور و»السمّيعة» لا تتغير بأوامر الحكومات، لكن هذا ما حدث: في العام الذي استقبل فيه الزعيم الشاب جمال عبد الناصر المطرب الشاب جداً عبد الحليم حافظ... في ذلك الخريف من عام 1953، دوى نجاح أغنية حليم «صافيني مرّة» (ألحان محمد الموجي وكلمات سمير محجوب)، رغم فشلها المدوّي حين غنّاها في العام الأسبق. لم تكن الصدفة «الناصرية» في الاستقبال فحسب، بل تمثلت أيضاً في أن الغناء «الناجح» لـ «صافيني مرّة» كان في «عيد الجمهورية». الجمهورية التي تأسست للتوّ، لم تكن تبحث عن مطرب جديد بعينه، لكنها بحثت عن أبناء كثر. كان عبد الحليم حافظ ربما أكثر أبنائها إخلاصاً، وكان بالتأكيد أكثرهم نجاحاً. حين توفي بعد سبع سنوات من وفاة الزعيم وربع قرن من «ثورة يوليو»، لم تضاهِ جنازة الفنان سوى جنازة الزعيم. بالطبع، لم تكن بينهما في الحجم والمهابة سوى جنازة «كوكب الشرق».

لكن أم كلثوم (التي اتهمت في بداية ثورة يوليو بأنها من رموز العهد الملكي البائد)، وغيرها من كبار الفنانين المعاصرين لعبد الناصر، مهما انحازوا إلى الثورة، فإنهم لم يكونوا في موضع البنوّة للزعيم الأب، كما كان حليم لعبد الناصر، رغم فارق العمر غير الكبير الذي لم يتخط عشر سنوات، ورغم التقارب المدهش في عمر الوفاة (52 سنة لناصر و48 سنة للعندليب الأسمر)، يا لها من سنوات قليلة بالنظر إلى التاريخ الهائل الذي صنعه الاسمان، كل في مجاله.
لم يخطر اسم عبد الناصر على لسان فنان ـ ثوري أو غير ثوري ـ كما تغنى به لسان عبد الحليم، صراحة وتلميحاً مرات عدة. صراحة في الكلمات الأصلية في أغنية «ناصر يا حرية، ناصر يا وطنية، يا روح الأمة العربية يا ناصر» (كلمات صلاح جاهين وألحان كمال الطويل)، أو حين يلفظ اسم الزعيم بتحوير الكلمات، فتتحول «صوّرنا يا زمان» في أغنية «صورة» (جاهين والطويل أيضاً) إلى «صوّرنا يا جمال» على لسان الكورال المصاحب.
في أيامنا هذه، نهاية الربع الأول من 2015، تُستدعى مع تطورات الأزمة اليمنية الجديدة، والدور المصري فيها، أغنية «بالأحضان» (الثنائي ذاته جاهين والطويل) التي تغنى بها حليم بجنود مصر العائدين من حرب اليمن في الستينيات.


بعد النكسة، قرر ألا
يتغنى باسم زعيم أبداً
لكنه في تلك الأغنية أيضاً، يتغنى بالزعيم لكن من دون الاسم صراحة هذه المرة: «وزعيمك خلاكي زعيمة في طريق الخير والعمران». لقد كان ذلك تشخيصاً مباشراً، وغير متعلق بحدث معين كما فعل مثلاً الشاعر أحمد شفيق كامل في أغنية «حكاية شعب»، حيث نسمع حليم يتغنى بتأميم القناة «ضربة كانت من معلّم خلت الاستعمار يسلّم».
تمكن إذن ملاحظة تكرار الثنائي جاهين/ الطويل في تلك الأغنيات التي تذكر ناصر اسماً، كما أيضاً في أغنيتهما «على راس بستان الاشتراكية» حيث نستمع إلى «ومعانا جمال بنغني غنوة فرايحية». هل كان إيماناً «ثلاثياً» بالزعيم أم رغبة حليم نفسه التي نفذها الكاتب والملحن أم العكس؟ أياً كان، فقد قيل إن حليم قرر بعد نكسة الـ 1967 ألا يتغنى باسم زعيم أبداً. هذا ما حدث فعلاً على أي حال، وزاد اعتماد العندليب في وطنياته على كلمات عبد الرحمن الأبنودي الذي صنع معه علامات فنية لا وطنية فحسب، على رأسها «عدى النهار» و»المسيح». قصائد فائقة الفنيّة، وألحان ناضجة، وحزينة على غير عادة ملحنها بليغ حمدي. علامات نضج وشجن لا تخطئها الأذن، وغياب «ناصري» لا يخطئه المستمعون.
ثم غاب ناصر ذاته على كل حال بعد هذا التغيّر بزمن قليل، وغاب حليم بعده سنوات قليلة، وغاب ما جمعهما دائماً، حلم قومي بوحدة عربية لم تتحقق أبداً.