خليل صويلح


ثمانية أفلام فقط هي تركة المخرج الروسي أندريه تاركوفسكي (1932 ــــ 1986). لكن صاحب «القربان» حفر عميقاً في السينما العالمية بأسلوبه الشاعري وقدرته على «تسجيل الزمن». اصطدم باكراً بالبيروقراطية الإدارية، والستالينية بالكاد كانت لملمت ذيولها، فإذا بمشاريعه السينمائية تتعرض لحصار حقيقي، ما جعل أفلامه سجينة المطهر البيروقراطي حقبةً طويلةً.
في «أندريه تاركوفسكي، سينماه، حوارات معه، وسيناريوهان» الذي ترجمه باسل الخطيب ويونس كامل ديب (وزارة الثقافة ــــ دمشق) فرصة فريدة للتعرف إلى سينما هذا المخرج الذي ارتبطت أفلامه بما سميّ «سينما الحقيقة»، فقد كان من أوائل السينمائيين الذين خرجوا بالكاميرا إلى الشارع لتصوير الحياة بعيداً من جدران الاستديو. مثل هذه الكتب لم يعد ممكناً أن يصدر إلّا في دمشق، ليرفد المكتبة العربية، مسلطاً الضوء على أحد أكبر معلمي السينما في القرن العشرين. يستعيد أفكاره وسيرته الذاتية المثقلة بالألم والتشرد والاغتراب... لينتهي بسرطان الرئة في مستشفى باريسي، حيث دُفن في مقبرة المهاجرين، بعيداً عن بلاده التي ظل مشدوداً إليها حتى اللحظة الأخيرة.
منذ باكورته «طفولة إيفان» (1962)، استند إلى لغة مغايرة في بناء المشهد السينمائي. إذ كان يؤكد دوماً أنّ «الإيقاع هو العنصر الأساسي المكوّن للسينما». لكن هناك عناصر أخرى أخذت تبرز في أعماله مثل بصمة الزمن على الأشياء، وما تتركه على روح الشخصيات. يقول في حوار معه: «تكمن أهمية الفن في أنّه يحمل شوقاً إلى المثال». هكذا، يقود أبطال أفلامه إلى عالم قاتم يحتاجون فيه إلى قوة للعبور نحو «البلد السعيد».
«المرآة» (1975) سيمثّل منعطفاً في سرده السينمائي، فهو من أكثر أفلامه تعقيداً لجهة الأفكار والبناء الدرامي. البطل ألكسي لا يظهر على الشاشة، لكننا نسمع صوته، ونرى يده مرة واحدة فقط. هنا الحياة مغبّشة ومبهمة، كما لو أنّها مقطع من رواية مارسيل بروست «البحث عن الزمن المفقود». الفقدان إذاً هو مركز عمل تاركوفسكي وأفلامه تتمحور حول استعادة الزمن المنهوب وتسجيله.
في «الحنين» (1983)، سيستكمل هواجسه الروحية والدراما الداخلية للبشر في اضطرامها وصراعها مع المجهول. وفيلمه الأخير «القربان» (1986) ينهض على قناعة بأن «هدف الفن تحضير الإنسان للموت والارتقاء بروحه حتى تكون قادرة على فعل الخير».
وتأتي الحوارات المعرّبة مع تاركوفسكي، لتكوّن مرآة لقلق هذا الفنان وشاعريته المتأججة، وهاجسه الأساسي الذي هو القبض على لحظة هاربة أو طفولة بعيدة... بمعنى آخر التقاط الزمن باعتباره إحساساً لا مرئياً يتواشج مع الذات والذاكرة لا مع المكان. «فالعالم موجود بمقدار ما أشعر بنفسي».
تاركوفسكي فنان معذّب، أو ـــ كما قال عنه أنغمار برغمان ــــ «أشبه بمعجزة، لقد ابتكر لغة جديدة متوافقة مع طبيعة الفيلم، فهي تصوّر الحياة كانعكاس، الحياة كحلم».