في إطار عمل طلابي، استعادت «جامعة البلمند» أخيراً مسرحية «الزنزلخت» لعصام محفوظ (1939 ــ 2006) من إخراج أستاذ مادة المسرح شارل ديك على خشبة «مسرح بابل». هذا الإرث المسرحي اللبناني أسهم في انطلاقة المسرح الحديث: إنّها المسرحية الأولى في لبنان التي كتبت باللهجة العامية عام ١٩٦٨ وابتعدت عن ترجمات النصوص الغربية، داحضةً قبل كل شيء فكرة أنه لا كتّاب مسرح في لبنان. اعتبر كثيرون أن محفوظ هو مؤسس النهضة الثانية المسرحية في لبنان بعد مارون نقاش. أما نص «الزنزلخت»، فكان مرفقاً بـ «بيان مسرحي رقم واحد» قال فيه عصام محفوظ إنّ «العالم برغم فوضاه التاريخية يسير باتجاه واحد. هذا هو القاسم المشترك. ومن الصعب التفلت من تيار الاتجاه الواحد الكاسح والعنيف، ولا مجال للاختيار. القنبلة الذرية لا تهدد الأميركي أو الأوروبي دون الآسيوي أو الأفريقي.


القنبلة الواقفة على زنبرك اقتصاد العالم، وحّدت وعيه الجارح لنفسه، هذا الوعي المرافق للنضج». في البيان نفسه، دعا محفوظ الى التفلت من اللغة الفصحى في العمل المسرحي، واستحداث لغة الخشبة والابتعاد عن الكلمة الشعرية والبلاغة في المسرح، «لأننا نمر في فترة حرجة من تاريخ أمتنا، ولأننا في حاجة إلى شهداء، فلتكن اللغة الفصحى شهيدة المسرح المقدسة». كان هذا كلاماً جريئاً للكاتب آنذاك. ولم تكن «الزنزلخت» أقل جرأة من بيان محفوظ: كوميديا مأساوية. سعدون مجنون بين مجموعة مجانين. سعدون الإنسان الذي يطمح إلى خلق عالم سعيد، لا يعرف الألم والتعب والخوف. هذا الرجل الذي أحب امرأة خيالية، وظل ينتظرها يتنفس من أمل هذا الحب الخيالي، هو الرجل الذي خضع لمحاكمة زملائه المجانين، فتحول إلى شجرة زنزلخت. يطرح العمل إمكانية نيل الحرية المطلقة، مبرزاً من خلال شخصية سعدون هذا الصراع الأزلي بين الفرد والمجتمع. حين كتب عصام محفوظ هذا النص (١٩٦٤)، عرضه على أكثر من مخرج وجُوبه بالرفض لجرأته واختلافه عن سائر ما قُدِّم سابقاً في عصره إلى أن عاد برج فازليان من سفره ووافق على اخراج «الزنزلخت» عام ١٩٦٨.
هذا النص العبثي الذي استلهم روحيته من بعض الأمثال الشعبية، واختلف عن كل ما كتب وعرض قبله، حاز «جائزة سعيد عقل للإبداع» في العام ذاته. بعد ما يقارب ٤٧ عاماً على عرضه الأول، يبدو هذا العمل ذو البعد الإنساني العام الذي يتخطى كل زمان ومكان، محمّلاً بعبثية مضاعفة. عصام محفوظ الذي ترك هذا العالم عام ٢٠٠٦، لا بد من أنه تنبّه إلى أن هذا «الوعي المرافق للنضج» الذي تحدث عنه في بيانه المسرحي، ما زال وعياً جنينياً يحاول كسر عزلته وفردانيته.
لهذا السبب، قرر المخرج شارل ديك ـــ الحاصل على دكتوراه في «جماليات الفن» ومنسق «مسار الدراسات المسرحية الثانوية» في «جامعة البلمند» في الكورة، العمل على نص محفوظ المسرحي. أراد في زمن لا مكان فيه لفسحة الاختلاف أن يواجه سعدون مع قدره. فكّك النص، وحوّل مشاهده الـ 12 الى حلم اجتزأ فيه المشاهد. بدا طاغياً فعل المحاكمة على العرض، وذابت في طياته سائر المشاهد: لقاؤه بالحبيبة المتخيلة، الوالدة التي لم تعد تعرف أن سعدون الذي يقف أمامها هو ابنها، مشهد اللقاء مع المحامي الذي يتضح في آخره أنه هو ذاته عراب سعدون الذي يسهم في إصدار حكم الإعدام عليه.
لا شك في أن تلك التجربة يجب أن تحترم، لأنّها جمعت طلاباً يعتلون الخشبة للمرة الأولى، وليسوا في صدد دراسة المسرح والتمثيل ضمن منهاج متكامل يعمل على صقل قدراتهم. ولا يكون الهدف عادةً من هذا النوع من الصفوف هو بناء قدرات ممثل محترف بقدر ما هو مدخل معرفي بسيط لصنعة المسرح. لكن لا بد من ذكر بعض الثغرات التي لم يستطع صانع العرض التملّص منها: لم يبد الحلم حلماً في ظل وجود إخراج اكتفى بانتقاء مقتطفات من نص محفوظ وربطها ببعض عبر تحديد مكامن خروج ودخول الممثلين كما لو أننا أمام عرض يعد بجمالية ما لم نتمكن من فك كوداتها ولا التفاعل معها. لم يكن هناك من إيقاع للعرض ولا تنويع في الأداء. تحدث معظم الممثلين بغنائية وتنغيم من دون الإيحاء بشخصية متفردة تتحرك على سجيتها وتتحدث بإيقاع خاص يبتعد عن هذا الجهد الفائض في تفهيم المشاهد معنى الكلام عبر التفخيم في اللفظ والغنائية والتنغيم للتشديد على بعض المفردات. رغم ذلك، كان مشهد دخول المحامي مختلفاً. تميز هذا المشهد بأداء مميز لمحمد الكسم وبإدارة موفقة من قبل المخرج.