كصخرة هائلة، تشبه تلك المعلقة في خلفية المسرح (سينوغرافيا نتالي حرب)، تتكاثف عناصر الغناء والرقص والموسيقى، لتخلق جوّاً ثقيلاً طوال عرض «موت ليلى» لعلي شحرور (1989). عمله الراقص الجديد يحتفظ بشيء من وجوه النادبات في جنوب لبنان، ومن حركات أجسادهن وحناجرهن المبحوحة. البحث الذي بدأه الكوريغراف اللبناني الشاب في «فاطمة» (قدمته أمامة حميدو ورانيا الرافعي العام الماضي) حاضر في العمل.


يواصل شحرور مساءلة علاقة الجسد، الأنثوي خصوصاً، بالموروث الديني والثقافي والاجتماعي المشرقي. تلك العلاقة المتأرجحة بين المسموح والممنوع، بين الحرية التي تتيحها طقوس الرثاء لجسد المرأة؛ وبين ما يحجبه عنه المجتمع خلال الأيام العادية. تطلق النسوة أجسادهن للتعبير عن الحزن ولوعة الفراق، ضمن مناحات جماعية تصهر حركاتهن وتحررهن من ركودهن اليومي. استلهم شحرور رقصته من اللطم في التراث الشيعي، وتقاليد بكاء الأحبة، ومراسم العزاء المقدّسة. بعين معاصرة، لا تنفصل عن اللحظة الثقافية/الدينية والسياسية الراهنة، يقارب العمل هذه الطقوس، ومفاهيم الشهادة والبطولة في مشاهد احتفالية بكائية يقدمها علي وليلى شحرور عند الثامنة والنصف من مساء الليلة في «مسرح المدينة» (الحمرا ــ بيروت)، وتستمر حتى 29 آذار (مارس) الحالي.
على الخشبة، تجلس ليلى على الكرسي. تسرد قصتها بعفوية. سيرة مختصرة للفقد. يتساقط أفراد العائلة أمام عينيها، واحداً تلو الآخر؛ الأم، الأخت، الأخ... إنها أشبه بملحمة فردية، تتماهى فيها «البطلة» ليلى مع شخصية زينب شقيقة الحسين، وعشتار شقيقة تموز، وإيزيس شقيقة إيزيروس. على خطاهن، تنطلق حفلة النواح. ترفع يديها وتدفعها في الهواء بحركات تائهة، تلطم صدرها وركبتيها. تجلس تارة وتقف، ثم تدور وتنثر الورود. رقص يبدو لا متناه أمام طول الحزن. حسناً، بطلة العرض ليست راقصة محترفة، وهذا خيار شحرور منذ البداية في القبض على جمالية حركة الرقص المحلية، بعفويتها وابعادها المسرحية. الندابة ليلى شحرور تنقل إلينا حالة موت فردية إلى الخشبة، معزولة عن البكائيات الجماعية. يقرّب العرض ويظهر تلك الحركات الرثائية بصورة منفردة، يقودها جسد المرأة الخمسينية المحجّبة وصوتها على المسرح. في الفصل المتعلق بالزوج/ الحبيب، تحاكي قصة ليلى وعلاقتها بزوجها قصة قيس وليلى، إلا أن ليلى تحدّت رفض أهلها الزواج من «بعلبكي»، وتزوجته من دون علمهم. تفاصيل شعرية عن علاقتهما، ومغازلتهما خلقت مشهداً حميمياً لن يدوم طويلاً. سيبتلعه موت الزوج، تاركاً لها ثلاثة أولاد.
هكذا تخرج ليلى من عزاء لتغرق في آخر، متكئة على حزنها في عرس جنائزي فظيع. بصوت شجي يشكل رمزية لكل الأصوات التي تتفادى أذننا هول سماعها في العادة، تطلق مرثيات وندبيات وعتابا، تغني فراق الأحبة، مستعيدة تراثاً غنائياً في طور الانقراض مثل: «رحلوا بهالليلة» و»بأمان الله»، وأبيات أخرى. ولعلّ اخراج وتوليف العرض (دراماتورجيا جنيد سري الدين) نجح في توظيف العناصر كافة ودمجها لخدمة رؤية العمل. تصبح الموسيقى التي ألّفها عبد قبيسي (بزق، وساز، وبزق مجهز مع قوس، ومؤثرات صوتية) وعلي الحوت (إيقاع)، عنصراً حركياً أساسياً. موسيقى واصلت الرقص واللطم على وقع جسدي الراقصين، فأدت الآلات دوراً في تكثيف المشاهد، وإخمادها مع صوت ليلى، من دون الوقوع في فخ الموسيقى الفولكلورية. هذا ما تجنبه الثنائي خلال فترة تأليفها، «أي إلغاء البعد الزمني التاريخي عن الموسيقى»، كما يقول قبيسي.


يواصل مساءلة علاقة الجسد، الأنثوي خصوصاً، بالموروث الديني والثقافي والاجتماعي المشرقي

يتعمّق العرض في قصص التراث الشعبي/ الديني حول الموت، على لسان ليلى أولاً، وفي رقصة علي شحرور لاحقاً. ماذا يحدث للميت؟ «بعد مغادرة الأحبة لقبره، يرفع رأسه ليلتحق بهم، فيطرق رأسه ببلاطة القبر»، تقول ليلى. من هذه القصص التي تتحوّل أساطير أمامنا، يستعير علي شحرور كوريغرافيا رقصته، بتكرار وتواتر الحركة وتصاعد سرعتها، وذلك الاصطدام الأبدي. رقصة تجرّد القصة وتعتقها من ثقلها ومرجعيتها الدينية، ولا تمجّد سوى الميت، وفظاعة الموت، وحميمية البعد وشخصنة الخسارات.
لا يقفز «موت ليلى» عن الشق السياسي، وعن الإحالات على سلطة المرجعية الدينية. يظهر العرض نظرة ثاقبة في تتبع تغيّرات رثاء الشهيد. مظاهر كنا نشاهدها في جنوب الثمانينات مثلاً، وتكاد تختفي، لصالح تأطيرها ضمن سياقات عقيدة الحزب الديني، التي فرضت مقاييس أخرى على الشهادة والنظرة إليها. مقاربة ذكية في العرض تتأرجح على الخط الفاصل بين العام والخاص، حيث تناقض المشاعر في أقصاه؛ الحزن الفردي للعائلة، الظاهر، أو الخجول الضائع في الاحتفاء الجماهيري العام بالشهيد وبطولة موته.
وكما تتفرع مآسي الموت في التراث الشيعي من مأساة الحسين «الأصل»، فتمّحي فردية الميت أمام واقعة كربلاء في مجالس العزاء، تتهاوى تلك المعركة المقدسة أمام العذاب الفردي في العرض. يقدّم رؤية من وجهة نظر الميت/ البطل نفسه في حواريته الحركية مع النادبة ليلى التي يجسّدها شحرور مستعيداً تلك العلاقة بين الشهيد وأهله. علاقة يطبعها التناقض واللوم والمسؤولية وهم البعد. تنفلت منها صور فنية وحركات وضربات قاسية وعاطفية يؤديها علي مع ليلى. يحضنها، ثم يضرب رأسه بعنف أمامها بوتيرة متسارعة ومتصاعدة. يتحول عرس البطولة إلى احتفاليات مضادة طاحنة تجر العرض نحو عبثية أخرى... أما ليلى فتختنق بحزنها، ترثي نفسها وحياتها وموتاها، هم الذين سيندبون حزنها بدورهم. أما الآن، ماذا يتبقى لها سوى انتظار الميت في المنزل صبيحة العيد، على وقع الصلاة الشهيرة «ربي اغفر لي ولوالديّ، وارحمهما كما ربياني صغيرا». صلاة تعلن بداية «موت ليلى».

* «موت ليلى» لعلي شحرور: 20:30 من مساء الليلة حتى 29 آذار (مارس) ـــ خشبة «مسرح المدينة» (الحمرا ــ بيروت) ـــ للاستعلام: 01/753010




عاشوراء مشروعه المقبل

يثمّن علي شحرور جمالية حركة الأجساد في طقوس العزاء الشرقية، ويجد فيها مادة غنية للرقص المعاصر. ثيمة ألهمت «فاطمة» الذي قدّمته أمامة حميدو ورانيا الرافعي في «مسرح المدينة» خلال العام الماضي، ودفعته مجدداً إلى تصميم وإخراج «موت ليلى».
قبل أشهر، بدأ الكوريغراف اللبناني الشاب التمرينات مع ليلى. امرأة عادية كانت تمتهن الندب. لذا، تطلب الأمر ساعات طويلة من العمل كي يخرج الحركة المطلوبة من جسد لا يحترف الرقص، ولتحفيز صوت امرأة تعتلي الخشبة للمرة الأولى في حياتها. تعامله مع الدين كموروث ثقافي، ينزع تلك السلطة المقدّسة عن مقاربته مع الأجساد. ماذا عن مشاريعه المقبلة؟ عرض آخر لإحياء البكاء على الموتى، يختتم به ثلاثيته من خلال الخوض في مراسم عاشوراء واحتفالياتها التراجيدية.