هذا ما سوف يقدمه جاك مارون لمشاهده على خشبة «مسرح مونو»: عرض مليء بالطبقات والتطابقات. حجر القوة وأتون الانصياع اللذان يتراوحان كمدّ وجزر بين رجل وامرأة يرقصان على خيط جامع للمعبود والمستعبد في آن. كتلةٌ من الأحاسيس المعقّدة ترافقها بساطة في الفعل المسرحي.


يقوم مارون بذلك كله مستحضراً فينوس وأفروديت، وأدونيس وعشتروت و«الباخوسيات» ليوريبيدس، مستنداً الى نص دافيد آيفز المسرحي الشهير ليعرض لجمهوره وعلى صفيحٍ بارد مسرحية «فينوس» من اقتباس لينا خوري وغابريال يمّين وبطولة بديع أبو شقرا وريتا حايك.
«فينوس» هو العمل الثالث للمخرج جاك مارون في لبنان، والثامن له في العالم بعد سلسلة أعمال أخرجها في الخارج. كما أنه الإنتاج الرابع لمحترف الممثلين الذي أسسه في بيروت عام ٢٠١١. إنّه عرض كوميدي ميلودرامي مبني على نص مسرحي كتبه دافيد آيفز بعنوان Venus in Fur وعرض للمرة الأولى عام ٢٠١٠ في «أوف - برودواي» بطولة ويس بنتلي ونينا أرياندا التي حازت جائزة Tony Award عن دورها الرئيسي في الشخصيات التي تجسدها (فاندا، فاندا- مازوخ، فينوس). بدوره، يستخدم نصّ دافيد آيفز قصة قصيرة (تحمل العنوان نفسه «Venus in Furs» بصيغة الجمع) لتكون التيمة الأساسية للعرض. تلك القصة هي للكاتب النمساوي ليوبولد فون ساشر ــ مازوخ الذي يعود مصطلح المازوشية اليه. تتحدث قصة مازوخ عن رجل (الراوي) يحلم بلقاء الآلهة فينوس ليحدثها عن الحب وهي تضع على جسدها قطعاً من الفراء. ينصحه صديقه سيفيرين بقراءة مخطوطة «مذكرات رجل فائق الشهوانية» (memoirs of a suprasensual man). في تلك المخطوطة، يقرأ عن سيفيرين كوشيمسكي الذي يقع أسير سحر امرأة تدعى فاندا. يعرض عليها أن يكون خادماً لها، فتقوم بتوقيع عقد معه لمدة محددة من الزمن. في سياق متصل، يتلو النص المسرحي لدافيد آيفز قصة كاتب مسرحي يدعى توماس يقوم بإخراج عمل مازوخ على الخشبة ويبحث عن ممثلة لأداء دور فاندا. في ليلة ممطرة وبعد أن استُنفدت كل طاقاته مع ممثلات غير جديرات بتطلعات توماس وغير مطابقات لمواصفات الدور الذي يبحث عنه، يحصل ما لم يكن متوقعاً: تزوره امرأة شابة، فائقة السوقية (تدعى بدافع الصدفة المحضة فاندا) لتلعب دور فاندا. سرعان ما تكشف تلك الشخصية عن فذاذة غامضة وملتبسة. تنجح فاندا الممثلة في السيطرة على الكاتب تماماً كما نجحت فاندا، شخصية مازوخ في السيطرة على سيفيرين في معظم مقتطفات القصة.

أداء عفوي لنص كثير
التعقيد خضع للبننة موفقة
يضع نص آيفز أمام قارئه مشهداً واحداً تتقاطع فيه حوارات بين كوشيمسكي وفاندا (من قصة مازوخ) مع حوارات تجمع الكاتب المسرحي بفاندا الممثلة التي تعلّق بذكائها السوقي النبرة والعبارات على تفاصيل كثيرة تتعلق بالدور وبمازوخ وبحياة توماس الشخصية بحيث يصبح من الصعب الفصل بين لحظة الواقع ولحظة المسرحية التي تعود بنا الى حقبة مازوخ عام ١٨٧٠.
تكمن زبدة عمل دافيد آيفز في تحقيقه لحلم شخصية الراوي في قصة مازوخ. ففاندا الممثلة السوقية التي جسدت دور فاندا – مازوخ هي فينوس التي حلم بها الراوي مغطاةً بقطع الفراء التي تجتاحه رغبة في الحديث معها عن الحب والألم. بالنسبة إلى توماس، الحب كامنٌ طالما هو متصل بالألم تماماً كما يذكر مازوخ في كتابه. تلك النزعة الايروسية للألم التي «تتلطى» خلف قناع المثقف الذي ستكشفه فاندا.
فاندا (ريتا حايك) تزور المسرح اللبناني وفي عنقها طوقٌ تؤطّر فيه روابط السيطرة والانصياع التي ستجمعها ببديع أبو شقرا الممثل الذي يلعب دور الكاتب توماس، مع فارق بسيط أنّ الكاتب في النص المقتبس أصبح اسمه بديع أبو شقرا. تبدو شخصية بديع هادئة على الخشبة، أنيقة، حالمة وشغوفة، حياته تقليدية الى حد ما. هذا البحث عن ممثلة لنص مازوخ سوف يحيله الى ما خبِّئ في ذاته. هي لعبة من التطابقات: مسرحية داخل مسرحية، بديع أبو شقرا الممثل والشاعر الذي يلعب دور بديع بو شقرا الكاتب في عمل آيفز، طيف فينوس وأفروديت وحضور «الباخوسيات» ليوربيديس في خلفية النص، بديع الكاتب الذي يجسد شخصية كوشمسكي في نص مازوخ، فاندا اللبنانية التي تحمل نفس اسم فاندا- مازوخ التي تلعب دورها وتجسد شخصية فينوس في مشهد ارتجالي، عمة بديع التي تحب الفراء وعمة كوشمسكي التي مارست عليه طقوس التعذيب الأولى. سرعان ما تتبادل الأدوار، فيلعب بديع دور فاندا، وتصبح فاندا شخصاً مهيمناً عليه. كل ذلك يتم في تجاذب مغناطيسي يؤدي الى تكشّف نزعة بديع المازوشية واستمتاعه بها. هو يستحضر في إحدى جمله ديونيسوس الآدمي الذي فرض ألوهته وانتقم من بنتيوس ملك طيبة. ديونيسوس هو إله الخمر وملهم طقوس الابتهاج والنشوة، وبنتيوس رجل الأحزان كما وصفه ديونيسوس، هو هذا الملك الذي لا يرحب بديونيسوس ولا بطقوسه التي استحضرها الى المدينة. كان بديع في لحظات كثيرة كوشمسكي وبنتيوس في آن الى أن حضرت ثلاثية فاندا/ فاندا/ فينوس-أفروديت. في عرض جاك مارون، سوف تتكاثر النقاشات والأحاديث عن الحب والمازوشية والإيحاءات الإيروسية اللفظية والحركية وعن علاقات الهيمنة/الانصياع/ السادية والمازوشية وصورة المرأة خلف كل تلك الظلال. كان حضور الممثلين لافتاً باستثناء ثغرات صغيرة كعدم تمكن المشاهد من سماع بعض الجمل. تميزت ريتا حايك بعفوية كبيرة، وبدا بديع أبو شقرا مختلفاً في دوره عن كل الأدوار التي لعبها سابقاً. برع الممثلان في تبادلهما للأدوار والحقبات في خلق لحظات انتقالية مصقولة: النقلات بين فاندا الممثلة وفاندا مازوخ كانت ساحرة بطرافتها وأناقتها في آن.
تبدو عناصر عرض جاك مارون متقنة: أضافت السينوغرافيا (تالار ماسروبيان) جواً متناقضاً يجمع الكنبة المخملية بعفن الحائط الخلفي. ساهمت الإضاءة (هاغوب ديرغوغايسان) في إضفاء جو حميمي حين اقتضت الحاجة. أداء عفوي لنص كثير التعقيد خضع للبننة موفقة بقيت وفية لحيثيات النص الأصلي. لم تكن المؤثرات الصوتية كثيرة الافتعال.
رغم كل هذا، كانت تمر بعض الجمل الفائقة الأهمية للنص مروراً لم يلحظه المشاهد. كان يكفي قليل من الكسر في أداء بديع الذي بدا كأنه خاضع لتنويم مغناطيسي طوال الوقت أو معالجة درامية مختلفة لبعض اللحظات. بقيت نهاية العرض مفتوحة لكل الاحتمالات وغامضة. هل استسلم بديع لفاندا؟ تحيا أفروديت. حقاً؟ هذا ما قاله آيفز في نصه... أما مازوخ فكان له رأي آخر.

«فينوس»: حتى 5 نيسان (أبريل) ـــ «مسرح مونو» (الأشرفية) ـ للاستعلام: 01/202422