تبدو آثار الاستستلام واضحة على الكثير من صنّاع الدراما السورية عندما يتحدثون عن انعدام الخيارات أمامهم، وتحكّم رأس المال المعلن في توجيه أعمالهم.

على هذه الشاكلة، تتراجع النيات نحو التجريب أو المغامرة كشرطين أساسيين لاستمرار متعة الفن، وتنحسر مهمة القائمين على الدرما السورية في تنفيذ جدول أعمال يُملى عليهم من دون تدخلهم ولو في الحد الأدنى. هكذا، ووفق شروط المُعلن صارت قصص الحب هي البداية والنهاية بالنسبة للدراما السورية.

بعيداً عن الملاحم العاطفية التي تصلح لتُقدّم في أعمال تلفزيونية. وتركز الأعمال الجديدة على صراعات رجال أعمال وقصص حب ساذجة. فإذا لم تندرج هذه القصص في خانة المحرّمات والخيانة، فهي حتماً ستكون سطحية وعابرة تدور حول حب رجلين لامرأة واحدة، تتزوّج بأحدهما وتقع في شباك الآخر.
ربّما لا جديد في ما نقوله بعدما شاهدنا عشرات المسلسلات التي تنطلق من هذه الفكرة مثل «روبي»، و«لعبة الموت»، و«لو»، و«الإخوة» و«صرخة روح1-2»، و«علاقات خاصة» وغيرها. لكن بعدما كانت موضة قصص الحب تندرج تحت خانة الأعمال المعاصرة، تغيّرت القاعدة ولم تصمد طويلاً، إذ لن يكون كافياً أن نشاهد مجموعة كبيرة من الأعمال السورية المعاصرة التي تحكي قصص حب، بل ستعود قواعد اللعبة لتنطبق على التاريخ وتتفوّق على طقوس البيئة. ستتسيّد قصص الحب المشهد وتستحوذ على الاهتمام وتكون هي الرائجة.

في «بنت الشهبندر» يقع
شقيقان في غرام فتاة واحدة، فتتزوّج أحدهما وتكنّ الحب للآخر
بناءً على هذه القاعدة، سنشاهد في مسلسل «بنت الشهبندر» (تأليف هوزان عكو، وإخراج سيف الدين السبيعي) بطولة سلافة معمار وقصي خولي وقيس الشيخ نجيب قصة حب يكون قوامها ــ كالعادة! ــ فتاة هي «بنت الشهبندر» وشقيقان يقعان في غرامها، فتتزوّج أحدهما وتكنّ الحب للآخر. هكذا، تبقى معطيات القصة من جوانب أخرى مجرّد بهارات تُضاف إلى الخط الرئيسي؛ أي قصة الحب طبعاً. يثير العمل إشكالية من جانب آخر، على اعتبار أنّه قصة شامية تصوّر في بيروت، وهي مسألة جديدة، إذ يعتمد المخرج على تاريخ المنطقة مستنداً إلى حالات هجرة عائلات شامية إلى ولاية بيروت واستقرت فيها.
على الضفة المقابلة، كتب طلال مارديني مسلسل «خاتون» وألصقه بظهر دمشق! مع العلم أنّه يجهل تاريخ عاصمة الأمويين. وقد تناقل بعض المخرجين قصّة شهيرة عن كتابته أحد المشاهد الشامية التي وضع زمنها عام 1914، وأكمل المشهد متحدّثاً عن دورية فرنسية تعبر الشارع، فيما كانت البلاد في ذلك الوقت تحت الإحتلال العثماني! على أي حال، ستلعب نسرين طافش بطولة العمل الذي يطرح قصة حب بطقوس شامية حفظ الجمهور مفرداتها عن ظهر قلب.
في السياق نفسه، سنكون خلال الموسم المقبل على موعد مع قصص حب على هامش مسلسل «طوق البنات2» (تأليف أحمد حامد، وإخراج إياد نحاس) من بطولة رشيد عساف وتاج حيدر وعلي سكر ومهيار خضور ويامن الحجلي... سيوغل المسلسل في روايات مكرورة عن كيد النساء، ولابد أنّه سيساهم في جرعة تشويه إضافية لتاريخ دمشق وحالة نسائها.
على مقلب آخر، تحضر الأعمال المعاصرة في ظل سيناريو معهود لامرأة ورجلين هذه المرة، وذلك في «24 قيراط» (تأليف ريم حنا، وإخراج الليث حجو) من بطولة الثنائي الشهير عابد فهد وسيرين عبد النور. هنا، سنكون أمام توليفة مختلفة من حيث المظهر لكن مع الحفاظ على الجوهر نفسه. سيتوه عابد فهد عن عائلته وزوجته بعد تعرّضه لحادث أليم يفقده ذاكرته، قبل أن يصادف فتاة جميلة تحاول مساعدته في رحلته، إلى أن يقع في عشقها.
أما في «تشيللو»، فرغم اختلاف المقاييس، النتيجة نفسها: قصة حب ثلاثية تدور أحداثها حول الزوجين «ياسمين» و«آدم» (نادين نسيب نجيم ويوسف الخال). الحبيبة هي عازفة تشيللو شهيرة وزوجها عازف بيانو. يقرّر الثنائي إنشاء مشروع العمر، وفجاة يشب حريق داخله وتقع الكارثة. عندها، يتدخّل رجل الأعمال «تيمور» (تيم حسن)، عارضاً عليهما مبلغاً طائلاً من المال مقابل قضائه ليلة واحدة مع الزوجة. طبعاً، القصة مقتبسة عن فيلم Indecent Proposal (عرض غير لائق) للمخرج أدريان لين بطولة روبرت ريدفورد وديمي مور.
بالنسبة لمسلسل «صرخة روح3» لمجموعة كتاب ومخرجين، فسنتوقّع جرعة من قصص الخيانة والحب المحرّم، بالأسلوب التقليدي الذي يعتمد على استخدام الجنس بمستوى رخيص.
وربما سيكون للحب نصيب أيضاً في «في ظروف غامصة» لفادي قوشقجي والمثنى صبح بطولة سلوم حداد ونسرين طافش.
تعتبر مسرحية «روميو وجولييت» من أشهر أعمال وليام شكسبير، وقد تحوّلت إلى واحدة من أهم كلاسيكات الدراما في العالم، رغم أنّها ليست سوى قصة حب. لكن المشكلة في قصص الحب التي تطرحها الدراما السورية أنّها مكررة لاعتقاد صنّاعها بأنّهم يقدمون ما يحب الجمهور مشاهدته، متناسين أنّ ابتعادهم عن مجابهة الواقع، حتى ولو بقصص الحب، سيفقد أعمالهم ذاكرتها لتنتهي كلياً مع نهاية الحلقة الأخيرة.