ترسم جنان مكي باشو (1947) ساعة، كي تجرّ عقاربها إلى الوراء. الوقت رئة معرضها الفردي «تذكار» الذي اختتم قبل أيام في «غاليري المرخية» (الدوحة ــ قطر). هكذا يكون الماضي، تقول لوحاتها الـ25، مشيرة بسبابتها إلى أمكنة الفنانة ووجوهها وصورها. كأن معرضها السابق «صور طيفية» (2013)، لم يكن سوى حفر أولي في ذاكرة فاضت في أعمال مجموعتها الحالية. هي ذاكرة «جميلة» كما تصفها الفنانة، و«لوحات المعرض ليست سوى شواهد صامتة على أمل وتفاؤل الماضي». يصبح مرور السنوات كافياً لأن يمنح صفة النقاء لكل ما يتعلّق بالماضي. بهذا الحنين تصنع باشو لوحاتها، مستخدمة الصور الفوتوغرافية والطباعة والرسائل والكتابة والطوابع وألوان الأكريليك. هو ألبوم كولاجي لزمن زائل وأمكنة بعيدة. لوحات سلسلة ومكثفة، تخلّد الماضي وتمجّده. ذلك الانطباع الإيحابي الذي يوحّد ذكرياتها يوازيه توحيد للوحاتها، لناحية الألوان الصاخبة والنقية. تظهر في ألوان الأزرق والأحمر والزهري والأصفر والأخضر وتدرجاتها الواضحة التي تسللت إلى معظم اللوحات، لتخفف من ثقل الحنين كما العادة.

حاولت باشو في أعمالها إيجاد تقاطع سلس بين الذكريات، والذهاب نحو البناء السردي وتطويعها لخدمة القصة، إلا أن اللوحات تشير أحياناً إلى ممارسة أكثر شفافية بين الفنانة وأعمالها. كأنها دلقت ذاكرتها على الكانفاس كما هي، أو أفرغت صورها وأشياءها من صندوق خشبي قديم مباشرة على اللوحة، وتركت لعبثية الذكريات وتقاطعاتها العمياء أن تجتمع لتخرج بلوحات مكثفة ذات درجات لونية وبصرية متعددة ومركّبة. تضيف باشو نتفاً حية من حياتها لنلتمس اللوحة كأننا نلتمس شقفة من الماضي. رسائل وطوابع تدعونا للتماهي مع عملية التذكر الشخصية بضبابها ووضوحها. مجرّد ومضات من أمكنة ووجوه وممارسات وأجواء كانت، وتضاعف جمالها مع التقدّم في الزمن، وبالمقارنة مع التغييرات البصرية والذوقية الحالية. إنها أحد الأسباب التي دفعت الفنانة إلى الخوض في هذه الاستعادة، وفق النص الذي كتبته للمعرض. في الأعمال، يندمج البعدان العام والخاص للذاكرة. عناصر مسهبة ومتباعدة يجمعها رأس الفنانة.


تستعيد أيقونات حقبتها كأم كلثوم، وليلى مراد وأسمهان
تحضر صور عائلية بالأبيض والأسود، وأخرى تميل إلى البني الفاتح أحياناً، من عرس الأهل وصور الاخوة ولقطات شخصية للفنانة في محطات متفاوتة من حياتها. في الوجه العام، تحاكي باشو الذاكرة الجماعية لجيلها. تستعيد أيقونات حقبتها، في بورتريهات لأم كلثوم، وليلى مراد وأسمهان ومديحة يسري وفاتن حمامة وسعاد حسني.
وراء وجه ليلى مراد، كتبت كلمات أغنيتها «أنا قلبي دليلي» في لوحة «ليلى مراد». وفي لوحة «فاتن حمامة» التي طغى عليها اللون الأحمر، تطعّم بورتريه «سيدة الشاشة العربية» بنكهة شخصية، فتنقل حمامة بيضاء رسالة إلى «جنان مكي في شارع مدحت باشا في بيروت». تحضر كذلك صورة إحسان عبد القدوس، وصندوق الفرجة. تبدو الفنانة كمن اختارت صوراً ذات دلالات وترميزات واضحة ومباشرة، لترسم من تجربتها الشخصية صوراً متماهية مع ذكريات أبناء جيلها، أو مطابقة لتلك التي يحملها رأسنا عن النصف الثاني من القرن العشرين في بيروت ولبنان والعالم العربي. نرى بيروت من خلال مقهى «المودكا» في لوحة «مودكا»، التي تتصدرها صورة لأعضاء فرقة الـ»بيتلز». حتى الحرب ومآسيها، تأخذ طابعاً نوستالجياً في لوحتيها «حرب» و»قصص الحرب». في «حرب»، يقف أولاد (صورة عائلية) أمام مبنى متصدّع ومدمّر. أما المسدس الذي طبعت عليه وردة في «قصص الحرب»، فتصوّبه على لقطات الحرب نفسها التي تعلو اللون الأحمر المنساب منها ومن الورود. «الماضي على حق» تقول قصص/ لوحات جنان مكي باشو التي تبدو خارجة للتو من صندوق قديم في زاوية المنزل.