القاهرة | شهدت قاعة «إبداع» في القاهرة أخيراً معرضاً استعادياً لأعمال التشكيلي المصري البارز حامد ندا (1924 ـ 1990) مثّل حدثاً ثقافياً بارزاً، إذ قدم 60 لوحة بعضها لم يعرض قبلاً، وبعضها عبارة عن اسكتشات بالأبيض والأسود وبالألوان، إضافة إلى اللوحة التي لم تكتمل وكانت في مرسمه قبل وفاته، ولوحة من «الموديل العاري». أظهر المعرض الذي اختُتم قبل أيام، بانوراما لفترات متنوعة في رحلته الفنية التي انتهت بوفاته العبثية عام 1990، إذ انقطعت الكهرباء عن مرسمه بينما كان يرسم لوحة من بين تلك اللوحات التي شهدها المعرض. لكن ندا تعثر عندما حاول النزول من السلم في الظلام، فسقط ميتاً عقب اصطدام رأسه بأحجار المبنى الأثري. يعتبر ندا إحدى علامات التصوير المصري الحديث.


لا تزال لوحاته واحدة من أكثر الأعمال قيمة على الصعيدين الفني والتجاري، إذ اتسمت دوماً بلغة فنية خاصة وعلامات بصرية يسهل تمييزها من بين مئات.
في أعمال ندا التي بدأها متأثراً بالرائد عبد الهادي الجزار جنوح نحو «الفانتازيا الشعبية» واشتغال على حضور الأساطير في حياة المصريين. ونظراً إلى كونه نشأ وتربى في حي القلعة الشعبي، جاءت هذه السمات كمكون أصيل في اللوحة لا كحلية تشكيلية تؤطر للعالم الفني من خارجه. وراء اللوحة، كان ثمة عمل فكري دؤوب لبلوغ الثابت والمتحول في الشخصية المصرية. كان ندا أحد الجسور التي كانت تنقل الثقافة المصرية بين جيل ليبرالية «ثورة 1919» واشتراكية «ثورة 1952» وظل منشغلاً بأسئلة هذا الانتقال بحسب تعبير المفكر الرائد لويس عوض الذي ضم المعرض كذلك مقالاً نادراً له حول أعمال ندا من بين أوراق ومستندات أرشيفية خاصة امتلكتها أسرة الفنان الراحل.
تمثل الذاكرة والأرشيف بحسب تصورات جاك دريدا عن عمل الذاكرة في الأرشيف الفرويدي، واحداً من المنابع الرئيسة في التعاطي مع لوحات ندا المنشغلة بعلامات الذاكرة البدائية بالمعنى الحضاري حيث تشتبك رسوم الكهوف والجدران على المعابد المكسيكية مع مكونات لوحة المصري القديم المتحشدة بعلامات ورموز تمثل شيفرات دلالية قادرة على فك رموز هذه الحضارة. لطالما اعتبر ندا رحلته إلى مدينة الأقصر (700 كليومتر جنوب مصر) واحدة من نقاط التحول الرئيسة في حياته. هناك، وجد نفسه في مواجهة إرث أسلافه من الفنانين القدماء، وتركت هذه المواجهة أثرها في تكوين اللوحة وأبعادها وخياراتها اللونية. ووفق دارسة أعماله إيناس حسني، «التقى هناك مع فكرة البعدين والاستغناء عن البعد الثالث، وبدأ في رسم أشكاله بطريقة مسطحة لا تحتاج إلى التجسيم الخفيف الذي لا يظهر في شكل جاد وبدأ ينثر على لوحاته الألوان بطريقة عفوية».
طوال تجربته الطويلة، نظر ندا بعمق إلى أشكال تواصل الحضارة المصرية القديمة في الممارسة اليومية لحياة المصريين المعاصرين وتصوراتهم عن الموت والخلود والجنس. ويشكل الأخير ملمحاً طاغياً في لوحاته التي تحتشد برغبات عارمة وأجساد في حالة فوران تكشف عن تناقضات الوعي اليومي، وقدرته على التورط في علاقات تواطؤ تقاوم التحولات باتجاه المحافظ.


يشكّل الجنس ملمحاً
طاغياً في لوحاته التي تحتشد بأجساد في حالة فوران تكشف عن تناقضات الوعي اليومي
إذ انتصر ندا دوماً لمفهوم الجرأة الشعبية التي تبتكر آليات للتحايل على الواقع اليومي. وفي لوحاته، عبّر عما يمكن اعتباره نمطاً كرنفالياً على الطريقة التي تناولها ميخائيل باختين، حيث الكرنفال احتفال بالحياة. ثم كانت عوالم الجن والغيبيات والموالد الشعبية القبطية والإسلامية منجماً استثمر ندا منها كل منتجاته الأسطورية وقدم بصمة في الفانتازيا الشعبية التي تحررت من أسلوبية عبد الهادي الجزار في التكوينات الصرحية التي تتسم بالضخامة المهيمنة على مسطح اللوحة. التفت إلى المهمشين واظهرهم في صورة علامات متحركة على سطح اللوحة. تحولت الأخيرة فضاءً سرمدياً عامراً بالموتيفات المستمدة بالكامل من الحياة اليومية. وتدريجاً، تخلصت اللوحات من «استيكية البدايات» ومن أبرز أعمال هذه المرحلة «داخل المقهى» (1948) و«رقاد القط» (1948) و«المتعبد والسحلية» (1947) و«القبقاب» (1947) و«الدراويش» (1947) و«العصافير» (1948). ويمكن اعتبار الستينيات ـ كما يؤكد المعرض ــ مرحلة الذروة في إنتاجه الفني.
اتسمت تلك المرحلة بتنوع كمي وكيفي لافت أظهرته لوحات مثل «حسن ونعيمة» و«التوأمتان» و«أيوب المصري» و«حسن ونعيمة». الى جانب العلامات الفرعونية، احتشدت اللوحات بأشكال وعلامات لعبت فيها الرموز الحيوانية دور البطولة مع طغيان اللون الرمادي الذي انشغل نقاد أعماله بتأويله سياسياً نظراً إلى إصراره على إبرازه بعدما كانت البطولة للألوان النحاسية الطاغية التي عاد إليها في السبعينات، وإن ظل مخلصاً لشعارات مقاومة الاستعمار التي اطلقها جمال عبد الناصر وعبّر عنها في لوحات مثل «إفريقيا والاستعمار» (1963) و«كينيا والاستعمار» ثم «هيروشيما».
أعماله التي رسمها في سنوات حياته الأخيرة مع تحوله إلى فنان مكرس، بدأت تأخذ نبرة تهكمية وتعتمد على أنماط من الاستعارات استعادت سماته السوريالية الأولى كما في «المبروك» (1974) و«الريف» (1974) و«خيول برية» (1981) و«البلاج» (1981) و«ورقصة شعبية» (1981) و«أسطورة شعبية» (1981) و«الديك والقمر» (1982). حصلت أعمال الفنان الراحل على جوائز محلية وعالمية عدة وتقتنيها جهات عدة منها «متحف الفن المصري الحديث» و«متحف كلية الفنون الجميلة».