غزة | لطالما عاش الفلسطيني «في ظلّ الشهيد» ونسج حوارات متخيّلة في حضرته. هذا الظل سيبقى الممثل الفلسطيني وسيم خير مسكوناً به طيلة عرضه على خشبة «مترو المدينة» اليوم وغداً. في بيروت، سيستعيد خير عملاً مونودرامياً يحمل روح المسرحي الراحل فرنسوا أبو سالم (1951 ـ 2011) حيث يتمثّل الرهان الأصعب له في عدم الانفلات من تلك الروح التي تهجس بتجربة فريدة في محاكاة دقائق عالم النفس العصبي. الخوف الذي يتملّك خير ليس نابعاً من وقوفه «في ظلّ الشهيد» بقدر ما ينبع من وقوفه في ظلّ أبو سالم وعلى ناصية حلمه هذه الليلة في بيروت.


المسرحية التي طار بها أبو سالم ممثّلاً ومخرجاً ومؤلّفاً بالشراكة مع باولا فونفيك إلى بيروت عام 2011، تبدو لخير الأكثر صدقيّة في محاكاة السجال الأزلي بين المقاومة السلمية والمقاومة المسلحة. هكذا، وظّفت المسرحية المدعومة من «مؤسسة عبد المحسن القطان» البطلين جابر ونضال عبد اللطيف في ترجمة هذه الرؤية، فجابر نفّذ عملية استشهادية في «أم خالد» (نتانيا)، فيما شقيقه طالب علم الأعصاب في سراييفو استحال حارساً لأحد المستشفيات للأمراض النفسية. بذلك، يجد المشاهد نفسه أمام بطل متعدّد الشخصيات والأدمغة، مطلقاً العنان لفكره بهدف معرفة ما الذي كان يستوطن عقل الشهيد لحظة القرار. في حجرة المستشفى، ثمّة كراسٍ وملصق أحمر وثيق بمصطلحات عالم الأعصاب ومرآة يجري البطل حواره معها، محاولاً استنطاقها كما يستنطق سلالات الدماغ البشري طيلة العرض. هذه السينوغرافيا المتواضعة جاءت متناغمةً مع طبيعة النص الذي أسر خير، فهو «في حالة تتفاوت بين الجنون والعقل». يبدو خير متماهياً مع دور «طالب» الذي يلعبه في العمل المشتغل بإحكام على سبر أغوار النفس البشريّة ومنفّذي العمليات الاستشهادية، وقد نجح في خلق لغة أدائية مبنية على الفكاهة والحركة والتعامل مع النص كحالة هستيرية مهذّبة. ربما الرابط العاطفي الخاص والفريد من نوعه الذي كان يجمع خير وأبو سالم فرض نفسه بقوّة على الخشبة، إذ أراد خير أن ينفخ الروح مجدّداً في عمل يعتبر عموداً فقرياً لتجربة «الحكواتي» أبو سالم. يقول خير لـ «الأخبار»: «استعادة هذا العمل على خشبات المسارح اللبنانية هي تحية تقديرية لمسرحي عبقري مرّ بفلسطين، وكرّس فنّه لأجل قضيتها، بل تحية لروح فنان عاش غريباً ومات غريباً». عن رحلته في لبنان، فأشار خير إلى أنه سيكمل طريقه برفقة الممثل المسرحي الفلسطيني أسامة عطوة من مؤسسة «دار قنديل للثقافة والفنون»، حيث سيجولان على المخيمات الفلسطينية في لبنان لتقديم «في ظل الشهيد»، فضلاً عن ورشات وأنشطة تفعيلية للأطفال والشباب. كما سيقدّم عرضه في مسارح صور وصيدا، قبل أن يشد رحاله إلى تونس. «بيروت بلد دافئ وحميمي، وأستطيع القول إنها توأم حيفا. هي تشبه جميع القرى والمدن الفلسطينية، حيث إنني لا أشعر بالغرابة أو أني في مكان لا يشبهني»، بهذه الكلمات ودّ خير اختزال عصارة رحلته القصيرة إلى بيروت. رحلة يخيّم عليها طيف أبو سالم الذي انسحب بهدوء إلى السماء، مردّداً اقتباسه المحبّب «ليس العالم هو سبب معاناتنا، بل طريقة نظرنا إلى العالم نحونا».

* «في ظل الشهيد»: 21:30 مساء اليوم وغداً ــ «مترو المدينة» (الحمرا) ـ للاستعلام: 76/309363