صنعاء | «الأستاذ الروائي علي المقري، بعد التحية: أنا حزينة لأني جازفت باقتناء روايتك الأخيرة وأتمنى لو وجدت طريقة لاسترجاع الثمن الذي دفعته فيها». هذا جزء من رسالة قارئة يمنيّة بعثتها لكاتب رواية «حُرمة» (2012) تعلن فيها صدمتها من المضمون الذي حمله العمل واحتجاجاً على كمية «السيكس» الذي احتواه. يبدو علي المُقري (1966) هادئاً وهو يشرح كيف أنّه أجابها قائلاً: «بكل سرور عزيزتي». هدوء يكاد يتطابق مع شكل حياة صاحب «اليهودي الحالي» ولا يتطابق مع شكل الكتابة المُستفِزة التي يمارسها ولا يتوقف عنها عبر انتقالات متتالية مع البناء عليها من دون تقديم تنازلات على مستوى المضمون والتقنيات السردية. ولهذا، قد تبدو تهمة ارتكاب الجنس «كتابةً» بحق صاحب ديوان «نافذة للجسد» (1987) مجحفة وهي تطارده مع كل إصدار جديد، وتبدو على هيئة عيون متلصصة على صفحات بورنو (مُفتَرَضة).


مع ذلك، لا يمكن إعطاء علي المقري صكّ براءة نهائياً بخصوص هذا الانطباع الافتتاحي الذي قد يستقر في مخيّلة قارئ «جائع» لتتبع حكايات الجسد المُحرَّم في مجتمع محافظ انطلاقاً من العناوين التي تحملها رواياته: «طعم أسود، رائحة سوداء» (2008) وأصابعها التي تشير باتجاه جماعة سوداء تعيش على هامش الحياة ويتعمّد نبذها مع حرصه على ممارسة تلّصصه بتلذذ على حياتها المفتوحة تلك، وتظهر على هيئة أجساد مفتوحة على بعضها. في «اليهودي الحالي» (2009) أيضاً، يأتي العنوان مثل فخٍ مفتوح على علاقة يأمل قارئها أن تتقاطع مع «لوليتا» يمنيّة ولو بشكل معكوس، وتظهر على هيئة صبي يهودي. لن تتوقف لعبة العناوين المُفخخة في ميدان المقري السردي حيث لا بد من «حُرمة» كي يكتمل مشهد الإغواء وإن جاء صريحاً ولا يُنكره صاحب ديوان «يحدث في النسيان» (2003) معترفاً أنه قال الأشياء بالطريقة التي تحدث بها ولم يجلب تفاصيل من مخيلته.
هنا، تظهر فكرة الجسد الانثوي الباحث عن حقه الطبيعي في لمس اكتمال شهوته، بعد خسارات متتالية، مسألة لا تبعد كلّية عن فكرة البحث عن وطن متحقق بشكل فعلي لا مجازي: بحث المهمّشين السود عن وطن حقيقي لهم، بحث اليهوديّ عن الأمر نفسه وكذلك بحث الأنثى عن وطن قد يتشكّل على هيئة جسد في المتن السردي.


تسير الرواية نحو تفكيك
فكرة الوطن من أساسها


والحال هذه، يمكن وضع رواية «بخور عدني» (دار الساقي ـ 2014) ضمن لعبة الإغواء نفسها التي يمارسها انطلاقاً من العنوان وليس انتهاءً بالانتقال المكاني الذي يفعله للمرة الأولى موجهاً سرده من جهة الشمال اليمني التقليدي إلى جنوبه المحمّل في الذاكرة الجمعية باليسار المفتوح على حريته وحداثته. يأتي «البخور» وشذاه ملاصقاً لصورة المرأة في سهرات مفتوحة على صباحات لا تنتهي ولا تقيّدها روابط. إلى وقت قريب من إتمام الوحدة السياسية بين الجنوب والشمال اليمنيين، كانت الصورة التي عمّمتها قيادات دينية متطرفة شمالية لدى الوعي الشعبي العام بأنّ الأنثى الجنوبية (الشيوعية) حرة في إقامة علاقات جنسية بلا رابط اجتماعي وفي حماية القانون لها. لكن ليس هذا الطريق وجهة «بخور عدنيّ» بل على العكس تماماً. تسير الرواية نحو تفكيك فكرة الوطن من أساسها بحيث لم يعد مسعى البحث عن وطن في روايات المقري الثلاث الأولى هدفاً قائماً، إنما الذهاب نحو البديل من الوطن نفسه.
هكذا، سيعمل المقري على استعادة تاريخ عدن من جيب منتصف القرن الماضي وإعادة روايته مجسداً ذلك التنوع العرقي والثقافي الذي كان عمادها وصلبها عبر شخصيات عديدة أتت من فرنسا والصومال والهند، وإليهم زرادشتيون وبهائيون وبوذيون وهندوس ويهود...
هؤلاء لا يقيمون في أحياء منفصلة عن بعضها، بل في حارات متداخلة ومتقاطعة ومتجاورة. يظهر المكان هنا على هيئة شخص فاعل في تدعيم فكرة الوطن المُتاح من دون شروط مسبقة أمام طالبي الالتحاق بجنسيته.
لكنّ رحلة التفكك ستأتي لاحقاً بتدرج بطيء عبر تلّبس مجاميع من ثوّار عدن مع فكرة «بقاء عدن للعدنيين فقط دون سواهم». أتت هذه الفكرة كردة فعل تجاه سلوك المستعمر البريطاني المستفيد الوحيد من ثروات البلاد. سيرحل عسكر الانكليز من عدن لكنّ فكرة احتكار عدن ستواصل تمدّدها لتصل إلى نقطة التحكّم بآلية إنتاج التعريفات: تعريف الوطنية والمواطنين والأخلاق وشروط الزواج. مسألة سيبقى أمرها في سلط الثوار الذين سيظهرون على هيئة لا تختلف تماماً عن سلوك الجماعات الدينية المتطرفة التي ستأتي لاحقاً بعدما وجدت لنفسها ثغرة للدخول من خلالها وتحقيق مشروع فصل العدنيين عن سواهم بواسطة اختبار فصيلة الدم ولون البشرة ونبرة الصوت المُتحَدِثة والمطالبة بعودة أهل الشمال إلى بلادهم الأصلية. نقطة يمكن وصلها بوضع اليمن المريض حالياً على مستوياته كافةً. لا تقول «بخور عدني» هذا الأمر صراحة لكنّ أصابعها تشير باتجاهه.