رحل الفنان الفلسطيني غسان مطر (1938 ـــ 2015) عن عمرٍ ناهز الـ77 سنة بعد صراعٍ طويل مع المرض. لربما لم يحظ فنانٌ بهذا القدر المتناقض من العلاقة «التعاكسية» مع الجمهور مثلما حظي بها مطر. كان الفنان ذو الصوت غير الاعتيادي قد حظي بتلك الضجة لسببين: أولاهما أنّه عرف بأدوار الشر «المطلقة» ولم يغب عنها أو يبتعد ربما حتى اكتشافه أدوار الكوميديا في مرحلة متقدمة من حياته الفنية. ثاني تلك الأمور أنّ كثيرين لم يكونوا يدركون «فلسطينيته» نظراً لربما لقلة مقابلاته، فتعامل الجميع معه على اعتبار أّنّه إما «لبناني» أو «مصري» لإجادته التحدث باللهجتين، فضلاً عن تأديته شخصيات من الجنسيتين. لكن ذلك لا يبز الرجل في شيء. فقد كان «أبو غيفارا» (ابنه الذي استشهد مع زوجته ووالدته إبان حرب المخيمات في الثمانينيات) فلسطينياً جداً. هو ترك كل شيء ذات يوم من عام 1958) كي يلتحق بجيش التحرير الفلسطيني الذي كان يتم إنشاؤه في العراق آنذاك، لكنه رُفض لسبب غريب: «مشاكس، لديه ميول ناصرية»!
ولد عرفات داوود حسن المطري (الاسم الحقيقي لمطر) في مدينة يافا في 8 كانون الأول 1938 قبل أن ينتقل أهله إلى مدينة يافا، ليعود وينتقل منها (بعد النكبة في 1948) إلى شمال لبنان وتحديداً مخيم البداوي. هناك مارس الشاب هواياته «الفنية».

صوته الأجش المميز جعله يدخل عالم «الإذاعة» سريعاً. ولأن الوقت كان نضالاً آنذاك، أسس إذاعةً مع نايف حواتمة (الأمين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين) قدما خلالها برامج كان حواتمة يكتبها، ومطر ينفذها. وقتها، اضطر لتغيير اسمه خوفاً من الاعتقالات التي كانت تقوم بها القوى الأمنية للناشطين الفلسطينيين، فاتخذ اسمه الفني المعروف به حتى اللحظة: غسان مطر، تيمناً بغسان تويني رئيس تحرير جريدة «النهار» آنذاك وفق ما أسرّ لمقدمة البرامج المصرية منى سلمان في برنامجها «مصر xيوم». انتقل بعدها الشاب ذو النزعة الفنية إلى إذاعة «الثورة» التي كانت معروفةً ومهمة وقتها، إذ إنها الفترة الذهبية للإذاعات فقدم برامج إذاعية مثل: «كل مواطن خفير»، و»ركن فلسطين».
دخل عالم السينما سريعاً (ستينيات القرن الماضي) تحديداً عام 1969 حيث قدّم فيلمين عن القضية الفلسطينية هما «كلنا فدائيون» لكاري كارابتيان (تأليف أنطوان غندور) و»الفلسطيني الثائر» للمخرج رضا ميسر (تأليف فتحي زكي). لكن طبيعة هذين الفيلمين وعدم وجود «حاضنة ناشرة» جعلتهما أفلاماً «غير شعبية» بعض الشيء، فلم يؤمنا شهرةً نوعية للممثل الشاب آنذاك. قرر بعدها خوض التجربة «المصرية»، بعدما تتلمذ على يد سيد بدير، ويوسف وهبي، واسماعيل يس، وبدأ التمثيل عام 1963 لتتوالى الأعمال، أبرزها «الأبطال» مع فريد شوقي وأحمد رمزي عام 1974، وكان مخرجه الأثير الذي تعامله معه غير مرة هو حسام الدين مصطفى الذي برع في تقديم أفلام الأكشن وعشقها. وضعه مصطفى في أدوار الشر التي تميّز بها بعد ذلك، فاشتهر معه في أفلام مثل: «نساء بلا غد» (1968 ـ مع نيللي وسميرة أحمد وحسن يوسف)، «الشياطين في إجازة» (1973، حسن يوسف، محمد عوض، سهير رمزي)، و«نساء ضائعات» (1975، حسن يوسف سميرة أحمد وناهد شريف)، وتلفزيونياً مسلسل «الفرسان» (1994 مع أحمد عبد العزيز ومادلين طبر). لم تتنوع أدوار غسان مطر كثيراً في السينما المصرية لأسباب قد يقال إنها مرتبطة بطبيعة صوته المناسبة لأدوار الشر، فضلاً عن ملامح وجهه التي تناسب «الشرير» خصوصاً أن لعبة السينما قائمة على «متناقضين»: البطل والشرير. ولكي يبرز البطل، لا بد من أن يكون هناك «شريرٌ» مناسب. لازمة أدوار الشر التي واكبته قد تبدو «سهلة» بعض الشيء للمشاهدين، لكن مجرد الوقوف أمام «نجومٍ» كبار كان يتطلب «مقدرةً» خاصة، فأن تقف أمام فريد شوقي (لم يكن يلقب بوحش الشاشة العربية عبثاً) وتستطيع تأدية دورك بإتقان هو «مهارةٌ» خاصة بحد ذاتها.
تأرجحت اختيارات أدواره بشكلٍ مدهش في بداياته. ولو أنّها حصرت في أدوار الشر، فقد كانت ضمن أفلام الدرجة الأولى والثانية، لكن بعض أفلامه وتحديداً مرحلة تسعينيات القرن الفائت بدت خاطئة بعض الشيء، خصوصاً لناحية مشاركاته الكوميدية. ما لا يعرفه كثيرون عن الراحل أنه عمل في كثيرٍ من الأعمال الدينية، فقدّم بدايةً فيلم «الشيماء أخت الرسول» (1972 أحمد مظهر، سميرة أحمد وتوفيق الدقن)، وتلفزيونياً «محمد رسول الله إلى العالم» (1979) و»من قصص القرآن الكريم»(1984)، «لا إله إلا الله» (1986)، ومع صديقه الأثير المخرج حسام الدين مصطفى في مسلسل «الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان» (1997). تبوأ غسان مطر منصب الأمين العام لاتحاد الفنانين الفلسطينيين وظل فيه حتى وفاته، فضلاً عن نيابته لرئاسة اتحاد الفنانين العرب (لفترة طويلة)، وعضواً في الهيئة الإدارية في اتحاد الصحافيين الفلسطينيين في القاهرة.




Cult Hero

كان مطر يمتلك «عدّة» الشرير وحرفته. لذلك، كان المخرجون يستعينون به بشكلٍ «تلقائي» لأداء تلك الأدوار. يمكن اعتبار الراحل من نجوم سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي ولو أنه لم يصنّف كنجم صفٍ أول، لكنه أيضاً امتلك ميزة ما يسمى هوليوودياً بممثلي الـCult. خلق نوعاً من «الإعجاب» والتماهي بشخصيته «الشريرة» إلى حدٍ جعلت كثيرين يعتبرونه واحداً من «رموز» الشر وكيفية تمظهره «سينمائياً». حتى إن الفنان أحمد مكي أظهره في فيلم «لا تراجع لا استسلام» (2010) في مشهدٍ متخيل مع بطل الفيلم بصفته «الشرير المطلق»، وهو الفيلم الذي أعاده بقوة إلى دائرة الضوء. ولو أن ذلك قد لا يرضي كثيراً من نقاد الأفلام، لكن شهرته هذه «كشرير» وكآخر الأحياء ربما من أشرار المرحلة الذهبية في السينما المصرية كعادل أدهم وتوفيق الدقن ومحمود المليجي (كونه عاصرهم) جعلته يقوم بإعلانات «تلفزيونية» كثيرة، مرتكزاً إلى «إفيهات» حفظها الجمهور من أفلامه مثل: «اعمل الصح»، أو «باي باي يا كوتش».