«سبات شتوي» (Winter Sleep) للمخرج التركي نوري بيلج جيلان (1959) الحائز السعفة الذهبية في «مهرجان كان السينمائي 2014» هو ملحمة طويلة تشبه عبثية الحياة التي يحدث فيها كل شيء ويؤَّول كله إلى اللا شيء. الشريط الذي تتجاوز مدته الساعات الثلاث، تدور قصته في إقليم كابادوكيا في الأناضول. هناك، يعيش آيدن (الممثل هالوك بيلغينر) الممثل المسرحي السابق، الذي يطمح لاثبات نفسه ككاتب. محاطاً بزوجته الشابة وأخته المطلقة، يسكن الثلاثة في فندق ورثه عن والده.


يرمي طفل الحجارة على سيارة آيدن، فيما يلاحقه سائق آيدن الخاص هدايات ويعيده إلى منزله، حيث يتشاجر مع أبيه إسماعيل. هناك، نفهم أنّ الأخير يعيش مع عائلته في أحد أملاك آيدن، وقد تأخر عن دفع الإيجار ونشب خلاف إثر ذلك بينه وبين رجال الشرطة الذين أرسلهم هدايات. يتدخل عم الطفل حمدي ليحل الخلاف ويطلب الصفح من آيدن، على عكس أخيه الأكثر شراسة واعتزازاً بنفسه. أما آيدن، فيبدو مشغولاً بالأشياء القديمة المهملة المرمية في الحديقة التي لا يستطيع تجاهلها. تلك المشاهد الأولى من الشريط التي توحي بأن القصة بدأت في مكان وزمن آخرين. نتعرف لاحقاً إلى زوجة آيدن نهال (الممثلة ميليسا سويزن) وأخته نجلة (الممثلة ديميت أكباج) وعدد من الشخصيات والنزلاء الذين يتوافدون على الفندق. كذلك، نرى الصراعات والعلاقات بينهم التي يشرحها المخرج تدريجاً وبدقة كمن ينزع غلافاً تلو آخر ببطء حتى نصل إلى النواة. في البداية، يبدو عالم آيدن متناغماً، وشفافاً كزجاج الفندق الذي ينظر من خلاله إلى الثلج، برفقة زوجته الشابة الجميلة نهال، وأخته وصديقته وشريكته في الفندق نجلة التي يتناقش معها حول مقالاته في الغرفة الصغيرة حيث ينعزل غالباً ليكتب. شيئاً فشيئاً، وعبر يوميات الفندق وجلسات الحوار الروتينية التي يصورها المخرج، تخرج الخلافات الكامنة والمشاعر المضمرة إلى السطح.

حوارات طويلة ومكثفة
تقترب من المسرح من غير أن تفقد طابعها العفوي
هكذا تبرز كراهية نهال لشخصية آيدن المسيطرة والمتعجرفة، ونرى مرارة الأخت التي تكره الزوجين معاً، والثلاثة يتنافسون حول من هو أسوأ من الآخر، بينما كل واحد ـ وللسخرية ـ ينتقد برجوازية الآخر. تنتقد الزوجة مثالية آيدن وسلوكه تجاه المستأجرين الفقراء، إسماعيل وعائلته مثالاً، فيما يسخر هو من الجمعية الخيرية التي أنشأتها لإنقاذ مدرسة القرية. أما الأخت فتعيش في هذياناتها الخاصة ونظرياتها حول وجوب الاستسلام للشر. المذهل في الشريط هو مراقبة الحوارات الطويلة التي قد تستغرق في المشهد الواحد عشرين دقيقة، متشابهة مع الزمن الفعلي، من دون أن يفقد المشهد إيقاعه الذي يبدو دائماً في طور البناء والتفكيك، والبناء مجدداً. يعزز من ذلك قوة أداء الممثلين، والحوارات المكثفة التي تقترب من المسرح من دون أن تفقد طابعها العفوي. كذلك، هناك جمالية اللغة السينمائية التي تسرد ما يخفيه الحوار عبر اللقطات المهندسة بعناية لترصد ديناميكية تحركات الشخصيات وتفاعلها ضمن المكان الواحد. ما ينجح المخرج في نقله ببراعة، هو جحيم التواصل الذي لا يصل أبداً إلى نتيجة. كل طرف يقول ما لديه، ثم يعيد قوله كل مرة بطريقة مختلفة. الزوجة توجه الاتهامات. آيدن يدعي سماعها لكنه يعرف وهي تعرف أن لا شيء سيتغير. الحقيقي هو في مكان آخر، خارج اللغة، هو في تلك المشاهد الصامتة التي يصورها المخرج من دون أن يكون لها دور معلن في الحبكة الروائية كما مشهد الحديقة المهملة، أو الحصان البري الذي اشتراه آيدن، يتخبط في الماء ويقع بعد أسره. أما النهاية، فتأتي لتبدد أوهام الشخصيات وصورتها عن نفسها.