باريس | جمال عبد الناصر، وياسر عرفات، وأنور السادات، وحسن البنا، وفرنسوا ميتران، ومعمر القذافي، وبن غوريون، وإسحاق رابين. التقاهم جميعاً ومعهم كل من صنعوا تاريخ الشرق الأوسط المتوتر. أسرّوا إليه بمجريات الأمور في زمن الحرب والسلم، وجعلوه أحد أبرز الصحافيين الذين تابعوا المنطقة. أول من أمس الأربعاء، انطفأ إريك رولو بعد عقود أمضاها في العمل الصحافي ثم الدبلوماسي، جعلته أحد أهم «الخبراء» في منطقة الشرق الأوسط وتعقيداتها.


الرجل الذي ولد في القاهرة وعاش فيها، التقى ــ قبل الرحيل إلى فرنسا ــ كل من شكلوا سياسات المنطقة. لقاءات مكّنه منها عمله الصحافي، في مصر أولاً ثم من فرنسا، وأرقى منابرها الصحافية. كان صحافياً حين كان للصحافة دور في تشكيل الرأي العام، وسلطة لدى ذوي القرار. بدأ رولو عمله الصحافي في القاهرة، وانطلقت المسيرة بحوار مع مؤسس الإخوان المسلمين حسن البنا نشر في جريدة Egyptian Gazette عام 1943. القناعات الشيوعية للصحافي اليهودي الديانة، كانت كافية لأن يوضع تحت مجهر مضايقات الشرطة في عهد الملك فاروق، ما اضطره إلى المنفى الاختياري إلى فرنسا عام 1951، ولم يكن بإمكانه إلا الانتظار حتى إيجاد عمل مع وكالة «فرانس برس» ثم في جريدة «لو موند» عام 1955. سنة 1963 كانت حاسمة في مساره الصحافي الذي حصل خلاله على أهم حواراته، وكان مع جمال عبد الناصر. لقاء ناصر الذي أعلن عبر الحوار عزمه على الإفراج التدريجي عن المعتقلين الشيوعيين، أسهم في خلق مكانة اعتبارية للصحافي الذي صار له موقع أساسي بين الصحافيين المختصين في المنطقة. بعدها، كان رولو في كل مكان، بحدسه الصحافي، وبشبكة علاقاته. استطاع أن يفهم طبيعة التوترات، ويرافق لحظاتها الأكثر درامية من حروب وأزمات ولقاءات.
كان رولو على دراية بالكثير من التفاصيل، وصديقاً لبلده الأم وللفلسطينيين، ما جرّ عليه كراهية اليمين الإسرائيلي الذي رفضت قياداته الإجابة عن أسئلته الصحافية. آمن دوماً بأن يهوديته لا تعني قبوله بالعنف والعنصرية الإسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني، ولهذا حافظ على مسافة طيبة مع الفلسطينيين. الكراهية حازها، لا من الجانب الإسرائيلي فحسب، بل من الجانب العربي أيضاً. في عام 1974، رفضت السعودية أن يمثل «لوموند» على أراضيها من أجل تغطية زيارة وزير الخارجية الأسبق ميشال جوبير. وتبرير السلطات في المملكة كان حينها مدفوعاً بديانة الصحافي!
تابع رولو تطور المقاومة الفلسطينية عبر المنظمة، والثورة الإيرانية والأحداث المختلفة في الدول المغاربية، ومؤتمرات عدم الانحياز، والصراع في اليونان ليكون على قرب من مسارات مختلفة طبعت التاريخ الحديث. زار المخيمات، وكتب عنها في الصحافة الدولية، وكان على علاقة وثيقة بقيادة منظمة التحرير. هذه الخبرة الميدانية والعلاقات التي نسجها دفعتا فرنسوا ميتران ــ أول الرؤساء اليساريين في الجمهورية الخامسة ــ إلى تعيينه سفيراً فرنسياً في تونس، إحدى الدول الأكثر حساسية حينها لاحتضانها قيادة «منظمة التحرير الفلسطينية» عام 1985. والسبب معرفة رولو المسبقة بياسر عرفات، وفهمه لتعقيدات المنظمة، وطبيعة الحضور الفلسطيني في تونس. بعد خروجه من السلك الدبلوماسي، عاد مجدداً إلى أحضان عشيقته الأولى، ليتعاون مع جريدة «لوموند ديبلوماتيك»، ويخط الكثير من المقالات التي توضح هذا التاريخ المعاصر المظلم في الكثير من جوانبه. نشر رولو سلسلة حوارات مع القيادي في «حركة فتح» صلاح خلف المعروف بـ«أبو إياد» عام 1971 حمل عنوان «فلسطيني بلا وطن». أما عام 2012، فقد قدم خلاصات معرفته بما يحدث خلف أبواب السياسة العربية في كتاب «في كواليس الشرق الأوسط – مذكرات 1952-2012».