ليست مصر مادةً جديدة على صور فؤاد الخوري (1952). نظرة سريعة على أشهر البورتريهات التي التقطها في مسيرته كافية لتبيان حبّ المصوّر اللبناني لمصر وأهلها. الشيخ إمام، أحمد فؤاد نجم، نجيب محفوظ، توفيق الحكيم، يوسف إدريس، صنع الله إبراهيم، شريهان وغيرهم التقطتهم كاميرا الخوري في أجمل البورتريهات. عند دخولك الصالة الأولى والكبرى لمعرضه الحالي «مسلسل مصري» في «غاليري تانيت»، تواجهك على الجدران صور عملاقة لما يمكن تسميته «الأهرامات الطبيعيّة في مصر».


وسط الصالة وعلى عامودين متوازيين، وضع الخوري نصاً على العامود الأول عن حركة تمرّد شهدها العصر الفرعوني في مصر القديمة. وفي مقابله صور التقطها خلال «ثورة ٢٥ يناير» وخلع حسني مبارك في مصر المعاصرة. في النصّ الأول، يستعيد الانتفاضة التي تلت موت الفرعون بيبي الثاني عام ٢١٥٠ قبل الميلاد، حين أقدم حكام المناطق آنذاك على حركة عصيان أدت إلى اكتسابهم استقلالاً ذاتياً يمكنّهم من توريث أبنائهم للسلطة من دون أن يكون للفرعون كلمة في ذلك. تلك كانت أولى الثورات التي خضعت لها القوة العالمية الأولى.

قام برحلة أعاد فيها
سلوك الطريق ذاته الذي سلكه مكسيم دوكان وغوستاف فلوبير عام ١٨٤٩

في مقابلها وفي عام ٢٠١١، نشاهد صوراً صغيرة ملتقطة من إحدى تظاهرات الشعب المصري المعاصر التي أدت إلى تنحي مبارك. أمّا حول الحدثين، وعلى جدران القاعة، فصور عملاقة لطبيعة مصر، تظهر هضبات وتلالاً في الصحراء تتخذ شكل أهرامات نحتتها الطبيعة. هكذا يشير الخوري إلى ذلك الامتداد التاريخي في جبروت شعب مصر المتمرد على السلطة منذ الفراعنة حتى اليوم. ينعكس ذلك حتى في طبيعته، التي هي بدورها راحت تنحت أهراماتها الطبيعيّة كي تسلب الفراعنة ذلك الحق الحصري، وتبقيه امتداداً تاريخياً وطبيعياً حتى اليوم بحقّ الشعب بالتمرد على احتكار السلطة.
أما في الغرفة الثانية للمعرض، فيقدّم الخوري استعادة لمجموعة أقدم التقطها في مصر على طول وادي النيل. خلال عام ١٩٨٩ و١٩٩٠، قام الفنان برحلة أعاد فيها سلوك الطريق ذاته الذي سلكه مكسيم دوكان، وغوستاف فلوبير في مصر عام ١٨٤٩. تلك الرحلة التي تعتبر من أولى مجموعات صور السفر الفوتوغرافية، كانت أيضاً عماداً أساسياً للاستشراق الأوروبي. بعد مرور 150 سنة، يحمل الخوري كاميرته ليمشي على خطى الفرنسيين، ويلتقط مجموعة من الصور على امتداد وادي النيل. صور يقول عنها إنّها «بدأت تدير ظهرها، شيئاً فشيئاً، إلى قصة البداية الاستشراقيّة، وتتحول إلى قصّة خياليّة شخصيّة تستند إلى مصر المعاصرة». تتوزع المجموعة على أربعة أقسام وخاتمة: الضفة الشرقيّة للأحياء (المدن)، الضفة الغربية للأموات (الهياكل)، الغياب (القبور) والتقمّص (كوشوك هانم المرأة المصريّة التي كان فلوبير يحبها). الصور ملتقطة بالأبيض والأسود، تحملنا معها إلى الآثارات الموزعة على طول النيل. يسيطر على جزء كبير منها طيف امرأة تجول داخل الأهرامات وبين تلك التماثيل الضخمة التي خلفتها الحضارة الفرعونية. ثم ندخل إلى القاهرة، وشوارعها، ومقاهيها وناسها. لا يمكن للكلمات أن تقدم وصفاً محقّاً لتلك السلسلة، فسحرها كامن في التفاصيل الملتقطة في كلّ صورة، وفي وسيلة عرضها صغيرة على امتداد شريط صور يلف القاعة الداخلية في المعرض، فيجول عليها المشاهد كمسافر على خطى فؤاد الخوري على طول وادي النيل. أما لتلك المرأة التي سحرت فلوبير، فيخصص الخوري تصويراً شخصيّاً لامرأة مستلقية على ديوان، تظهر ساقيها وتخفي وجهها وراء مروحة. بين الثورة الكامنة في طبيعة مصر، وتاريخها الممتد على طول وادي النيل منذ أولى وأعرق الحضارات حتى يومنا المعاصر، يهدي فؤاد الخوري في «مسلسل مصريّ» صوره الفوتوغرافيّة إلى شعب سطّر التاريخ بأفعاله ولن يستكين.

* «مسلسل مصري» لفؤاد الخوري: - حتى ٦ آذار (مارس) ــ «غاليري تانيت» (شارع أرمينيا - مار مخايل النهر، بيروت) ـ للاستعلام: 76/557662