كلا ليست زوبعة في فنجان! ما بات يعرف بـ «قضيّة شربل خليل»، أخطر من أن نقلل من أهميّته، ظنّاً منّا أننا نستوعب الاحتقان، ونهرب إلى حل توفيقي بين «طرفين متنازعين». كلا، ليست المسألة بهذه البساطة، وكل من يسعى إلى زج الدين والمقدسات في قضايا سياسيّة بحتة، إنّما يرتكب ـــ من حيث لا يدري، أو عن سابق تصوّر وتصميم ـــ ثلاثة أخطاء قاتلة.


الخطأ الأوّل، و«الأبسط» ربّما، هو تراجع سافر لحريات مكتسبة، رغم أنف النظام الاقطاعي ـــ الطائفي، في لبنان. شربل خليل مَثُل أمس أمام مكتب النائب العام التمييزي في قصر العدل، بسبب تغريدة ساخرة منقولة. والمدّعون عليه مهما اختبأوا وراء حماية مبادئ أو الدفاع عن حقّ عام، فإن سلوكهم يفضح نزوعاً معلناً إلى استنساخ مراحل مظلمة من التاريخ الغربي: زمن «صيد الساحرات» و«محاكم التفتيش». مطاردة شربل خليل في النهاية، محاولة سلطويّة للتضييق على حريّة التفكير والنقد والتعبير. هنا يطالعنا الجواب الساذج الذي يدور في خلد شريحة من الرعايا المعبّأة والمشحونة والمطيّفة والمغسولة الدماغ: «ولكن هل الاساءة إلى الدين حريّة؟».

اعتداء على الفضاء المدني، واعادة الاعتبار للتكفيريين، ومقامرة بالسلم الأهلي
أين «الإساءة»، ومن يحددها؟ ثمّ ماذا تبقّى من دين في شعار يرفعه التتار والقتلة؟ هل يمكن لخرقة قاتمة، ملوّثة بالدم ودمع المظلومين والمقهورين والثكالى، أن تمثّل القيم السامية، من قريب أو بعيد؟ أي «وثنيّة» مقلقة، تلك التي ترفع إلى مصاف المقدّس ما هو مادي وزائل وأرضي ـــ من ساحة النور في طرابلس… إلى راية التكفيريين ـــ فيما كلام الله نقيض الاصنام، ينبت في الضمائر والعقول والقلوب، يغمر المكان ويعبر الزمان، لا يقوى عليه أحد، ولا يحتاج إلى حماية أحد؟
الخطأ الثاني في قرار الادعاء على الفنان اللبناني الساخر، بسبب مبادرة هامشية غير مرتبطة بانتاجه المباشر حتّى، أكثر خطورة. فهو يعطي للارهابيين والدواعش شرعيّة قانونيّة ومعنويّة، عبر تقديم صورة ايجابيّة لهم. يخلق رابطاً وجدانياً وعقائدياً، وإن غير مباشر، بين البرابرة الجدد والمؤمنين أصحاب الدين والعقيدة، قد تصل إلى حدود التماهي («ما دامت رايتهم رايتنا، ما دامت السخرية منهم وفضحهم اساءة للاسلام، فهؤلاء منّا إذاً، ولا يمكننا إلا أن نتعاطف معهم ونتفهّم أفعالهم»!). هل من الحكمة ـــ في زمن قاطعي الرؤوس، وفيما الدواعش يحرقون مكتبة الموصل ـــ افتعال معركة قانونيّة دفاعاً عن رايتهم، بدلاً من التبرّؤ الحاسم منهم بلا التباس. إنّها دعاية خطيرة، ولو غير مقصودة، لرمز «سلبي» هو الاساءة الفعليّة إلى الدين، إذ يختصر مشروعاً ظلامياً وهمجياً يتهدد العرب، ويفتري على الاسلام.
الخطأ الثالث، وهو الأخطر على الاطلاق، يكمن في اللعب بالسلم الأهلي، وتعبئة جماعة ضدّ جماعة أخرى في بلد على كفّ عفريت. فكلّنا يعرف أن شربل خليل ليس وحده، بل من حوله جزء من الرأي العام. التحريض عليه، تحريض على طائفته، في بلد لا وجود فيه للمواطن الفرد خارج القطيع. واتهامه ظلماً بالتعرض للمقدسات، إنما يزيد المناخ المشحون سموماً، ويزكي نار الحقد الطائفي، ويمعن في زجّ الناس في جحيم التعصّب والحقد والاشتباه بالآخر، والخوف على الذات والهويّة غير المهددتين في الحقيقة. كيف يمكن أن تخدم الاسلام تلك المعركة التي تؤبلس فنّاناً، القاصي والداني يعرفان نيّته وخلفيّته ومقصده من التغريدة المنقولة؟ وخصوصاً أن مطلق الحملة ليس شخصاً عادياً، بل قدوة تحتذى، ومسؤول روحي رفيع على رأس مؤسسة مرجعيّة، له حيثيّته وحكمته وتأثيره في مجموعة واسعة من الناس؟ تُرى من يتحمّل اليوم مسؤوليّة أي اعتداء ارهابي قد يتعرّض له شربل خليل، لا سمح الله؟
كلا أيّها السادة، ليست مسألة دفاع عن الدين، بل مسألة استغلال سياسي للدين. «إنّي أتّهم» كل من ساهم في افتعال «قضيّة شربل خليل» بالاعتداء على الفضاء المدني القائم على حريّة النقد والسخرية، وباعادة الاعتبار للتكفيريين، وبالمقامرة بالسلم الأهلي. كل هجوم طائفي على شربل خليل جريمة وطنيّة. وكل دفاع طائفي عنه، أو التفاف طائفي حوله، جريمة أعظم. تلك معركتنا الوطنيّة المشتركة ضد التطرّف والظلاميّة والتعصّب وعمى البصيرة والارهاب، مباشراً كان أم غير مباشر. صدّقوني، لا أمل بالخلاص، إذا لم يقف الشعب اللبناني في مواجهة الانحطاط.