هل ثمة مغزى من الكتابة عن شريط تسجيلي بعد أكثر من 40 عاماً على إنجازه؟ ربما تنبغي إضافة كلمات عدة إلى هذا السؤال ليكون له مغزى بذاته. شريط تسجيلي سوري. 40 عاماً على إنجازه ومنعه من العرض. هكذا سيستقيم السؤال إلى درجة كبيرة، بل ربما لا معنى للحديث عن شريط «الحياة اليومية في قرية سورية» (82 دقيقة ــ 1974) من دون التطرّق إلى حياة مبدعَيْه سعد الله ونّوس (1941-1997)، وعمر أميرلاي (1944-2011).


شارك ونوس في إعداد الفيلم بعد إخفاق محاولته «الانقلابية» المسرحية بعد عرض «حفلة سمر من أجل 5 حزيران». أخرج أميرلاي الفيلم إثر خيبة أمله بعد شريطه التفاؤلي الأول «محاولة عن سدّ الفرات» (1970). ولذا كان «الحياة اليومية...» نقطة انطلاق جديدة لمبدعيه، يمكننا فيها تلمّس جذور أعمالهما اللاحقة التي أوغلت في التشريح القاسي للمجتمع السوري انطلاقاً من «العقد المُغيَّب» في التاريخ السوري الراهن، أي عقد السبعينيات. هنا بالذات تكمن أهمية هذا الشريط التسجيلي الذي يعتبره بعضهم أول شريط تسجيلي عربي.
يحدّثنا ونوس عن الظروف التي رافقت إنجاز الشريط في مقالته «سيرة فيلم موقوف» (1975). يشير إلى أنّ العمل استغرق عاماً كاملاً على ثلاث رحلات بين نيسان (أبريل) 1971، ونيسان (أبريل) 1972، إذ «وجدنا أنفسنا منذ بدء العمل مضطرين للقيام بمهام الإحصاء والدراسات الميدانية والبحث الاجتماعي، إلى جانب الهاجس الفني في بناء الفيلم بأسلوب واضح، ومضمون صائب».

شارك سعد الله ونوس
في إعداد «الحياة اليومية
في قرية سورية»
لم يكن الفيلم، إذاً، مجرد محاولة سينمائية للتوثيق، بل كان فعلياً محاولة تأسيس عمل فني «ملتزم» لو أردنا استعادة هذا المصطلح الذي أوشك على الانقراض. يبدو هذا واضحاً منذ اللحظات الأولى في الشريط. سيجد المشاهد نفسه كأنه داخل عقل كارل ماركس وهو يشرّح معنى «الاغتراب»، حيث يبدو المسحوقون كأنهم يعيشون في كوكب منعزل عن ثمار إنتاجهم التي تعبوا طوال أعوام في زراعتها بحيث يراكم الملّاكون رأس المال فيما يحصد الفلاحون الرياح والرمال. مشهد ماركسي بامتياز. الفارق أنّ ما يحدث في الشاشة والواقع لم يكن تمهيداً للثورة، بل إحدى نتائج «ثورة آذار» عام 1963، وبعد تطبيق الإصلاح الزراعي. تذكّرنا بعض لقطات الشريط في صحراء قرية «المويلح» بالطبيعة «غير الصامتة» التي سنجدها في أعمال يوسف عبدلكي لاحقاً: الجمجمة بعيونها الجوفاء، العظام العارية، علبة السردين الصدئة المفتوحة على الخواء، حذاء مرمي بإهمال، والنظرات الاتهامية القاسية في عيون الجميع. عناصر مرتبطة بالضرورة، وتزيد وطأة الألم الثقيلة حين نراها غارقة في العواصف الرملية الجارحة، أو مغروسةً في الأرض المتشقّقة الجافة التي تنتظر معجزة الطوفان. الشيء الوحيد المتحرك في هذه الصورة الساكنة هو الآلة بضجيجها الجنوني، وحركتها الرتيبة الصارمة، ودلالاتها السلطوية التي تتقاطع مع الرحى التي تبرز في لقطات سريعة، حيث يتم سحق الجميع بلا استثناء.
القولبة تطغى على كل الأشياء والأشخاص بحيث نجدهم مقسومين إلى نمطين ثابتين: عناصر السلطة من شرطة ومسؤولين سياسيين وثقافيين يكرّرون كليشهيات جامدة بإيقاع مونوتوني ذي دلالة خطابية عسكرية جلية. أما باقي «الشعب»، فهو ذو ملامح جامدة، وصوت مشبع بالانكسار، فيما عيونه تبرق للحظة بتحديقة قاسية تختصر جميع المعاني. ليس ثمة فارق واضح بين السياسي الذي يؤكّد أنّ «الثورة غيّرت حياة الفلاحين تغييراً فعلياً» وبين الضابط الذي يبرّر القمع لأن «المواطن ليس جاهلاً فحسب، بل يحمل شيئاً من الخبث»، وبين الحديث المضحك للمسؤول الثقافي عن سيارة الوحدة الثقافية التي ستعرض فيلماً وثائقياً عن «القطر العربي السوري في لقطات جيدة»، فيما تبدو «اللقطات السيئة» المقابلة واضحة على ملامح الفلاحين وهم ينصتون إلى محاضرة عن أهمية السينما في قرية ليس فيها جهاز راديو. تبدو الستارة البيضاء/ الشاشة عند عرض الفيلم الدعائي كأنها جهاز تخدير مركزي سيُستبدل بالتلفزيون بعد سنوات، بحيث تتأكد السلطة من وصول الرسالة الرسمية التخديرية إلى الجميع. وحده الأستاذ كان العنصر المتبدل في هذه الصورة الثابتة. كان أقرب إلى صورة السلطة حين كان يُلقي الدرس في الصف كبلاغ عسكري، وبثياب أنيقة وذقن حليقة أمام الكاميرا ويركز على أهمية التنوع الغذائي في قرية لا تعرف سوى الخبز والشاي طعاماً؛ فيما بدا أكثر عفوية وتحرراً في غرفته ببيجامته و«شحاطته» التي لم تتوقف عن الاهتزاز. كانت الكاميرا هي من تتحدث فعلياً، وكانت الشاهد المتنقّل من فضاء مكاني إلى آخر، وصولاً إلى الحافلة المتجهة إلى المدينة، حيث نجد الجميع مسافراً لسبب وحيد، وإن تنوّعت أشكاله، هو الشفاء من «الاستلهاب» الذي يبدو عند تكرار المفردة، كأنه السبب الحقيقي لكل العلل في تلك البلاد.
الصمت وسيلةً للبوح هو ما تركّز عليه كاميرا أميرلاي، حيث سيحاكم المشاهد بنفسه أقوال الجميع بخاصة المسؤولين الذين يؤكّدون «نقص وعي» الفلاحين. سنجد فعلياً بأنّ الخطاب العفوي «غير الخشبي» الذي يتفق عليه المسحوقون الأميّون هو المحكمة الحقيقية لمزاعم السلطة التي تريد «تصعيد العشائرية للصالح العام»، بينما يشير الفلاحون بعفوية إلى وجوب القضاء عليها. وحين يؤكّد المسؤولون النقابيّون أنّ الإصلاح الزراعي يحقّق نتائجه، تلتقط الكاميرا «تغريبة» الفلاحين إثر طردهم من الأراضي التي لا تزال تحت سيطرة
الملّاكين.
لا خلاص من هذا الجحيم إلا بطوفان يجرف كل شيء. هذا ما ينبئنا به شريط «الحياة اليومية في قرية سورية» الذي يتماهى مع صرخات اللوعة في بلد لا حاجة فيه للاستطرادات، إذ إنّ الاختزالات كافية جداً: لا حزب آخر سوى «الحزب»، ولا جبهة سياسية سوى «الجبهة»، ولا نقابة فلاحية سوى «الاتحاد». كل الصفات الأخرى نافلة وزائدة عن الحاجة. ينتهي الفيلم كما بدأ، بأطفال يذرون الرمال في العيون الجوفاء لحيوان نافق في الصحراء، ثم يجرّون هيكله العظمي على الرمال بحيث يفتحون طريقاً جديدة ستردمها عاصفة رمليّة أخرى على إيقاع الآلة/ الرحى التي لا تتوقف. «هذه بلادنا، وكل متفرّج لا يغمس يده في الطين جبان أو خائن». تبرق الكلمات الأخيرة لمبدعَيْ الفيلم، قبل الإظلام الأخير.