القاهرة | عبر رسالة نشرتها «نيويورك تايمز» قبل أربعة أسابيع، يخاطب محمد فهمي صحافي «الجزيرة» السجين في سجن طرة (الأخبار 3/2/2015) الرئيس المصري: «أوّد تذكير السيد السيسي بأنه أثناء الحرب ضد عنف سرطان الإسلام السياسي، فإن الصحافيين ليسوا أعداء بل حلفاء. نحن الذين نوضح حقيقة الإرهاب الذي يسعى لهزيمته».


لا تبدو مقولة مثل «سرطان الإسلام السياسي» عبارة يمكن أن تصدر من «إخواني»، أو من متعاطف مع الإخوان. في الواقع، لم يوصف الإسلام السياسي بالسرطان سوى من قلة نادرة من العلمانيين، أبرزهم سيد القمني. أما صحافي «الجزيرة» الذي اتهم ــ وزميليه بيتر غريست وباهر محمد ـ بالانضمام إلى جماعة إرهابية، فقد حاول في رسالته ـ كما حاول دفاعه في المحكمة ـ إثبات أنهم كانوا «يؤدون عملهم كصحافيين». غير أن ذلك لم يمنع صدور الحكم ضدهم بالسجن لأعوام سبعة مشددة، في قضية منحت اسماً ذا رنة استخباراتية «خلية الماريوت».
أياً كان، فقد غادر بيتر غريست يوم الأحد إلى قبرص، ومنها سيغادر إلى استراليا، مستفيداً من قانون جديد وقعه الرئيس السيسي في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، يسمح بمغادرة «الأجانب» لتنفيذ بقية عقوبتهم، أو محاكمتهم، في بلدهم الأصلي. قانون رأى مراقبون أنّه صيغ في الأساس كباب خلفيّ لإنهاء أزمة صحافيي «الجزيرة» ذوي الجنسيات الشقراء.

بقي باهر محمد في السجن
لأنه «ليس أجنبياً»

وقبل أقل من شهر، زار جون بيرد وزير الخارجية الكندي العاصمة المصرية، لمواصلة الضغط للإفراج عن «مواطنه» فهمي، مصرحاً لراديو «أوتاوا» بأن كندا «أخرجت صحافييها من مصر قبل ذلك»، في إشارة إلى جون غريسون وطارق لوباني، الصحافيين الكنديين الذين قضيا أقل من شهرين في سجن طرة، قبل ترحيلهما في 2013. أما «الكندي» محمد فهمي، فقد كان جزءاً من مشكلة أكبر هي «حرب نقاط وحسابات بين أطراف متحاربة» على حد قوله في رسالته في «نيويورك تايمز». كان جزءاً من صراع مصري قطريّ، انتهى به وزميليه في «الجزيرة» إلى أحكام السجن المشددة.
لكن مسؤولاً في الخارجية المصرية، يعلن فجأة لوكالات الأنباء، يوم الأحد أيضاً أن فهمي بصدد التنازل عن جنسيته المصرية، ليستفيد من قانون ترحيل الاجانب الذي استفاد منه زميله غريست.
هكذا، بعد ما يقارب 400 يوم قضاها في السجن، وتفادياً لست سنوات أخرى لا تزال في انتظاره وراء قضبان طرة، وقع فهمي، التنازل عن أصله المصري أمس، ليغدو كندياً فقط. هكذا فحسب، فقط بالتنازل عن مصريته، ينال حريته. لقد جذبت المفارقة انتباه المتابعين والجمهور العام، وصار خبر «التنازل» هو الأعلى قراءة في مواقع الانترنت والتواصل الاجتماعي، وهو الخبر الأشد رمزية مما يمكن أن يقدمه أي عمل فنيّ. خبر يعني أن مواطناً يمكن أن يكون سجين جوازه سفره حرفياً، فلا يتحرر إلا بتمزيقه. كأنما هو التضاد الذي يؤكد المعنى، يبقى زميل فهمي الأخير، باهر محمد، في السجن لأنه «ليس أجنبياً»، فعليه إذن أن يظل سجين جواز سفره، على عكس فهمي، الذي قرر تمزيق جنسيته محلقاً نحو الحرية.