القاهرة | رغم أنّ موسم منتصف العام السينمائي في مصر يشهد عرض حوالى 10 أفلام جديدة لكبار المخرجين والنجوم أمثال نور الشريف ومحمود حميدة وميرفت أمين، وخالد أبو النجا، وعمرو سعد، بما يؤكد أنّ المشهد السينمائي بدأ يستعيد عافيته، إلا أن اللافت أنّ هذه الحركة النشطة تتزامن مع طرح بعض دور العرض للبيع. بعد الخسائر المادية الفادحة التي تكبّدها أصحاب الصالات طوال السنوات الأربع الماضية بدءاً من «ثورة 25 يناير» وامتناع المنتجين عن المجازفة وعن ضخ أموال في الصناعة السينمائية لصالح الدراما الأسهل تسويقاً والأضمن ربحاً، بدأت لافتات بيع الصالات تنتشر في المحافظات. صاحب سينما «السراج مول» في مدينة نصر في القاهرة، يسعى اليوم إلى بيع هذه الدار التي تحتوي على ثماني قاعات لعرض الأفلام، رغم مكانها المميز في المدينة وإقبال جمهور العائلات عليها.


كما اقفلت قبل أيام سينما «فاتن حمامة» التي تقع في حي منيل الروضة بعد انتهاء فترة تعاقد «الشركة العربية للإنتاج والتوزيع السينمائي» على استئجارها. وقام ملّاك السينما بلصق إعلان على واجهة الدار تفيد بعرضها للبيع. معظم المستثمرين الذين تقدموا لشراء المكان يرغبون في هدم السينما وبناء أبراج سكنية مكانها، عدا مستثمر واحد يفكر في إعادة إنشاء المبنى ليصبح 3 دور عرض حديثة بدلاً من واحدة فقط وفق تأكيدات أحد العاملين في السينما. لكن حتى الآن، لم يجر التوافق بين المستثمرين والملاك الأصليين للمبنى.
سينما «فاتن حمامة» عرفها الناس باعتبارها ملتقى للطبقات الشعبية والطلبة، منذ تجديدها وتغيير اسمها عام 1984 حتى الآن. كانت تعرف قبل ذلك التاريخ باسم «سينما ميرندا» إلى أن جُدّدت لتصبح « فاتن حمامة». وقد اعتاد عدد كبير من المواطنين والشباب على متابعتها، إذ كان يحجّ إليها أكبر عدد من طلاب المدارس لمشاهدة عروض الأفلام.
وقبل أشهر، قررت المنتجة إسعاد يونس بيع مجمع سينمات «رينيسانس أسيوط» التي تعد من أعرق الصالات في المحافظة لتحويلها مبنى تجارياً.

عرف الناس سينما
«فاتن حمامة» باعتبارها ملتقى للطبقات الشعبية والطلبة

قرار ثار عليه مثقفو المحافظة ونظموا وقفات احتجاجية أمام السينما في أسيوط، احتجاجاً على بيعها، بمشاركة الناقدة نجوى العشري، والشاعر ماجد يوسف، والفنانة وفاء الحكيم، والباحثة في التراث إيمان مهران، والمخرج المسرحي هشام عبدالحميد، والتشكيلي أحمد الجنايني... واعتبر هؤلاء المثقفون إنّ بداية انهيار الفن هو مخطط يبدأ بشراء أصول السينما المصرية لوضعها لدى ملاك خارج مصر، وينتهي بهدم الصالات السينمائية مروراً بموجة أفلام التسطيح والهزل. وشددوا على أهمية مبنى «رينيسانس» ذي الطراز المعماري الفريد الذي لا يقل أهميةً عن «جامعة أسيوط». ورأى أنّ دار العرض هذه تعدّ منارة أخيرة للفن في الصعيد بعد هدم سينما «أسيوط الصيفي»، و«خشبة الصيفي». ووصفت الفنانة وفاء الحكيم بيع السينما بالمصيبة، متسائلةً عن دور الدولة وغرفة صناعة السينما والنقابات وكل المسؤولين ووزارة الثقافة، ومشيرة إلى أنّها ليست أول سينما تهدم ولكن «يكفينا كل هذا التجريف للثقافة وللفن». الحال نفسها في مجمع سينما «رينيسانس» في محافظة الإسماعيلية الذي تملكه المنتجة إسعاد يونس أيضاً، وهو من أهم الشاشات في مدن القناة التي تتمتع بإقبال شديد من قبل الطلاب والشباب. مع ذلك، تفكّر إسعاد يونس جدياً في بيعها.
اللافت أنّ الدولة المصرية لا تفكر في بناء دور عرض أو دعم الشركات الخاسرة، حتى تتمكن من استعادة قوتها وعافيتها، رغم حديث المسؤولين المصريين أمام العدسات عن ضرورة دعم الفن. وطبقاً لآخر إحصائية أجراها «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء» في النشرة السنوية للإحصاءات الثقافية عام 2013، انخفض عدد القاعات في دور عرض الأفلام بنسبة 4.6٪، لنشهد 269 شاشة عرض عام 2013، مقابل 282 شاشة عام 2012، في ظل تزايد عدد سكان مصر واقترابهم من 90 مليوناً. وإذا قسمنا الرقم، سيصبح لدينا حوالى 335 ألف مصري لكل شاشة عرض، ما يعكس تدنياً حقيقياً في الخدمات الثقافية، فهناك محافظات مصرية بالكامل لا تحوي سوى دار عرض واحدة، سواء في صعيد مصر أو وسط الدلتا كمحافظتي المنوفية والقليوبية.
والمفارقة أنه مع كل التطور التكنولوجي، تشهد مصر هذا التراجع المرعب، في حين أنه عام 1949، كان عدد دور العرض في مصر يبلغ 244. وفي منتصف الخمسينيات وأوائل الستينيات، ارتفع إلى 355، ولم يكن عدد السكان يتخطى الـ27 مليون نسمة، طبقاً لكثير من الإحصائيات الرسمية. اختلف الأمر بعض الشيء مع قيام «ثورة يوليو» ودخول فصيل اجتماعي كبير إلى سوق مستهلكي السينما. وظهرت مع هذا الفصيل دور العرض الخاصة به في الريف والأحياء الشعبية داخل المدن. عرفت تلك الدور بسينمات الدرجة الثالثة، وازدياد عددها ووصلت إلى 500. لكن مع بدء سياسة الانفتاح الاقتصادي في عهد السادات، بدأ الانهيار الحقيقي في عدد دور العرض المصرية، ووصل التدهور مداه في عصر مبارك، قبل أن يدخل رجل الأعمال نجيب ساويرس مجال الإنتاج السينمائي في التسعينيات. أحدث ساويرس طفرة في دور عرض الدرجة الأولى وظهرت المجمعات السينمائية، وكان يفعل ذلك هو والمخرج يوسف شاهين، إلى أن عاد المشهد إلى التراجع من جديد في السنوات الأربع الأخيرة.