تبعات اعتداء «شارلي إيبدو» لا تزال مستمرّة، ولا يبدو أنّها ستنتهي قريباً، ما يدلّ على أنّ غاية التنظيمات الإرهابية قد تحققت. فوبيا بكل ما للكلمة من معنى، تغزو أوروبا هذه الأيام. وفق تحقيق نشرته صحيفة «ليبيراسيون» الفرنسية أول من أمس بعنوان «بعد شارلي إيبدو، الثقافة تمارس رقابة ذاتية»، فإنّ منتجين ومخرجين وحتى فنانين أقدموا في الآونة الأخيرة على عدم عرض أعمالهم «الإشكالية» أو مورست رقابة عليها بذريعة «عدم إثارة حساسية الجمهور وإذكاء التوترات».


التحقيق الذي كتبته سيسيل بورنوف، استعرض أبرز الأعمال المحظورة، أكانت من السلطات أم بإرادة الفنان نفسه. البداية من ألمانيا، وتحديداً مهرجانها الشهير في كولونيا (يحضره أكثر من 1.2 مليون مشارك)، إذ أعلن المنظّمون إلغاء التحية الموجّهة إلى فناني المجلة الفرنسية الساخرة، وبالتالي إلى حرية التعبير بدعوى «أنّهم يريدون أن يمر المهرجان بهدوء وفرح من دون قلق». في فرنسا، منعت شركة JCDecaux مطلع الشهر الجاري الإعلان الترويجي لعرض «لا يمكننا السخرية من كل شيء»، حيث يظهر الفنان الكوميدي باتريك تيمست وهو يحتضن قنبلة. ومنعت الشركة وضع الإعلان في «مسرح رون بوان» بحجة «عدم إثارة حساسية الناس بعد اعتداء شارلي إيبدو».

تراجع عن عرض «تيمبكتو» لسيساكو في فرنسا وبلجيكا

ولم يكن تيمست وحده ضحية ذلك. فقد منع أيضاً الملصق الإعلاني لمسرحية «المرجومة» الذي أزيل من الإعلانات الطرقية ومن مترو باريس، علماً بأنّ الملصق يصوّر امرأة منقّبة تنهمر من عينها دمعة دامية. لم يقتصر الأمر على ذلك، بل إنّ المسرحية التي تحكي قصة رجم النساء في اليمن، ألغت عروضها في باريس بعد تقديمها ثلاث مرات فقط من أصل 30 عرضاً كانت مقررةً سابقاً. ووفق المنتج كلود تيلييه، فإنّ «الشرطة أعلمتنا أن العرض قد يعدّ استفزازاً بالنسبة إلى شريحة معينة». أكثر من ذلك، فإنّ فيلم «تيمبكتو» للموريتاني عبد الرحمن سيساكو الذي يندد بالمتطرفين عبر سرد ممارساتهم في مدينة «تيمبكتو» (شمال مالي)، دخل أيضاً ضمن دائرة الحظر وتأجّل عرضه مرات عدة في فرنسا وبلجيكا. رئيس بلدية Villers sur Marne ( شرق باريس) قدم تبريراً في هذا الخصوص، قائلاً: «منعناه تجنباً لتأثر الشباب بهؤلاء الجهاديين وأخذهم مثالاً أعلى». وفي بلجيكا أيضاً، قدمت حجج كثيرة لمنع عرضه أهمها «التهديدات الإرهابية».
موجة الترهيب طاولت أيضاً المتاحف والمعارض الفنية. في بلجيكا، قرر متحف «هيرجي دو لوفان لا نوف» إلغاء معرض كاريكاتور مخصص كتحية لضحايا «شارلي إيبدو»، لدواع «أمنية». كذلك، إزالة لوحة من معرض «فيمينا» في كليشي لاغارين (شمال غرب باريس)، تمثل زوجاً من حذاء نسائي موضوعاً على سجادة صلاة. وبحسب الصحيفة الفرنسية، جرى ذلك برغبة من الفنانة نفسها وأيضاً تحت ضغط القائمين على المعرض الذين خشوا عرض اللوحة بعد رسالة تلقوها من «اتحاد الجمعيات المسلمة» في مدينة «كليشي» يعرب عن «قلقه» حيال عرض العمل، وخصوصاً أنّه «يمسّ أحد أركان الدين الإسلامي الخمسة: الصلاة». في لندن أيضاً، ووفق صحيفة الـ»أوبزرفر» البريطانية، فإن متحف «فيكتوريا وألبرت» حجب لوحةً لفنان إيراني تصّور النبي محمد. وقد اكتشف ذلك اختصاصي أميركي في الفن الإسلامي لاحظ وجود هذه اللوحة في الكاتالوغ الرقمي الخاص بالمعرض واختفاءها عن العرض في المتحف. وتبعاً للقائمين على المتحف، فإن الصورة أزيلت «لأسباب أمنية».